
تشهد المجتمعات المعاصرة وخاصة مجتمعاتنا العربية تحوّلاً عميقاً في بنية إنتاج المعرفة وتداولها، حيث لم تعد "النخبة" حكراً على الأكاديميين والمفكرين وأصحاب الخبرة التخصصية كما كان سابقا، بل أخذت تتشكل -أي النخبة- تدريجياً عبر فضاءات رقمية يقودها ما يُعرف بـ"صنّاع المحتوى". وفي السياق السوري، الذي يعاني أصلاً من هشاشة مؤسساتية وتفكك في البنى الثقافية والتعليمية نتيجة سنوات من الصراع، يكتسب هذا التحول أبعاداً أكثر تعقيداً وخطورة.
تحوّل معيار النخبوية تقليدياً
ارتبط مفهوم النخبة بالقدرة على إنتاج معرفة رصينة، والمساهمة في النقاش العام بعمق وتحليل. إلا أن صعود منصات التواصل الاجتماعي فرض معياراً جديداً يقوم على الجاذبية، والقدرة على الانتشار، والتأثير اللحظي. في حالتنا السورية، تقلّصت مساحات النقاش الأكاديمي والمؤسسات الثقافية، حيث أصبح "صانع المحتوى" بديلاً سريعاً وواسع الوصول، ما أدى إلى إعادة تعريف النخبة على أسس شعبوية أكثر منها معرفية.
هندسة المجال العام رقمياً
أحد أبرز الإشكاليات الحالية يتمثل في إعادة هندسة المجال العام عبر الخوارزميات. فالمحتوى الأكثر إثارة أو تبسيطاً هو الأقدر على الانتشار، بغض النظر عن دقته أو عمقه. في بيئة سورية تعاني من الاستقطاب السياسي والاجتماعي، يسهم ذلك في تكريس سرديات ضيقة او انتشار معلومات مغلوطة، الأمر الءي يحدّ من إمكانيات الحوار النقدي المتوازن. ومع غياب الرقابة المهنية أو المعايير التحريرية، يصبح المجال العام عرضة للتضليل أو الاختزال المفرط.
تجربة ميدانية : تحوّل القدوة لدى الشباب من خلال تجربة مباشرة عايشتها في مخالطة فئات شبابية تتراوح أعمارها بين 15 و22 عاماً، يبرز بوضوح حجم التأثير الذي يمارسه ما يُسمّى بصنّاع المحتوى من "التيكتوكرز" و"اليوتيوبرز". فقد لاحظت ميل واضح لدى هذه الفئة لاتخاذ هؤلاء المؤثرين قدوة، مقابل تراجع الاهتمام بصنّاع المحتوى الحقيقيين من أكاديميين وكتّاب وعلماء دين.
هذا التحوّل لا يقتصر على التفضيل الترفيهي، بل يمتد ليشكّل منظومة قيم وسلوك. إذ يصبح النجاح مرتبطاً بالشهرة السريعة، وعدد المتابعين، والمحتوى الخفيف، بدلاً من الاجتهاد المعرفي أو التراكم العلمي. كما ينعكس ذلك على ضعف الاهتمام بالقراءة، وتراجع الانخراط في القضايا الفكرية أو المجتمعية الجادة، ما يعمّق الفجوة بين الأجيال ويهدد بإنتاج وعي سطحي قابل للتأثر السريع.
إشكالية الشرعية والتأثير
صنّاع المحتوى يكتسبون شرعيتهم من عدد المتابعين والتفاعل، لا من الكفاءة أو الخبرة. اذا هنا يمكننا طرح سؤال هام: من يملك حق التأثير في الرأي العام؟ ومع تزايد اعتماد الجمهور على هذه المصادر، تتراجع مكانة الخبراء والباحثين، ما يخلق فجوة بين المعرفة المتخصصة والتلقي الشعبي.
البعد السياسي والمدني
في مجتمع يعاني من انقسامات حادة كحالتنا السورية، يمكن لصنّاع المحتوى أن يلعبوا دوراً إيجابياً في نشر الوعي أو سلبياً في تعميق الانقسام. لكن غياب الأطر الناظمة والتأهيل المعرفي يجعل التأثير في كثير من الأحيان عشوائياً أو موجهاً وفق مصالح ضيقة، ما يعقّد فرص بناء فضاء مدني صحي.
خاتمة إن إعادة تشكيل النخبة عبر صنّاع المحتوى ليست مجرد ظاهرة إعلامية، بل تحوّل بنيوي يمسّ طبيعة المعرفة ودورها في المجتمع. وفي الحالة السورية، تتضاعف المخاطر نتيجة السياق الهش، ما يستدعي التفكير في آليات توازن بين حرية التعبير والحفاظ على جودة المعرفة. فبدون إعادة الاعتبار للمعرفة العميقة، قد يتحول المجال العام إلى فضاء صاخب، غني بالآراء، لكنه فقير في الفهم.
م. محمد اسماعيل