
إبراهيم حويجة: رجل الظل في دولة الأمن
في تاريخ الدول التي تُحكم بعقيدة الأمن أولًا، لا تكون الشخصيات الأهم هي تلك التي تخطب في الساحات أو تتصدر الشاشات، بل تلك التي تعمل في الظل، بعيدًا عن الأضواء، حيث تُصاغ المعادلات الحقيقية للسلطة. في سوريا عهد ، كان اللواء واحدًا من هؤلاء الرجال.
لم يكن حويجة سياسيًا بالمعنى التقليدي، ولا قائدًا عسكريًا ميدانيًا يقود المعارك على الجبهات. كان رجل جهاز. رجل مؤسسة أمنية تضخّم دورها مع الزمن حتى أصبحت أحد أعمدة النظام الصلبة: إدارة المخابرات الجوية. هذا الجهاز، الذي أُنشئ أساسًا لحماية سلاح الجو ومنشآته، تحوّل تدريجيًا إلى أحد أكثر الأفرع الأمنية نفوذًا وتأثيرًا في الحياة العامة السورية، متجاوزًا في أدواره الإطار الفني العسكري إلى نطاق أوسع يشمل ملفات سياسية وأمنية داخلية حساسة.
صعود حويجة ارتبط بطبيعة المرحلة نفسها. بعد عام 1970، ومع تثبيت أركان الحكم الجديد، جرى بناء منظومة أمنية متشابكة هدفها إحكام السيطرة ومنع أي اختراق داخلي أو تهديد محتمل. في هذا السياق، برزت أهمية الولاء الصارم، والانضباط، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة دون ضجيج. لم يكن مطلوبًا من مدير جهاز أمني أن يكون مفكرًا أو خطيبًا، بل أن يكون دقيقًا، حازمًا، وقادرًا على قراءة الخطر قبل أن يتجسد.
خلال الثمانينيات والتسعينيات، وهي مرحلة اتسمت باضطرابات داخلية وصراعات إقليمية محتدمة، تعاظم دور الأجهزة الأمنية عمومًا. في تلك السنوات، ارتبط اسم المخابرات الجوية – كما غيرها من الأفرع – باتهامات واسعة من معارضين ومنظمات حقوقية بارتكاب انتهاكات جسيمة، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والقمع السياسي. هذه الرواية شكّلت جزءًا أساسيًا من الذاكرة المعارضة للنظام. في المقابل، ظلّ خطاب السلطة يقدّم تلك المرحلة باعتبارها زمنًا استثنائيًا استوجب إجراءات استثنائية لحماية الدولة من التفكك والانهيار.
بين الروايتين، بقي حويجة شخصية قليلة الكلام، نادرة الظهور، لا يُعرف عنها الكثير في المجال العام. لم يسعَ إلى تلميع صورته، ولم يدخل في سجالات علنية. وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة الدور الذي أدّاه: رجل يعمل داخل بنية مغلقة، حيث تُقاس القيمة بمدى القدرة على حفظ الأسرار وضبط الإيقاع الأمني.
ومع اقتراب نهاية عهد حافظ الأسد، كانت الدولة السورية تدخل مرحلة انتقال دقيقة. في مثل هذه اللحظات، يُعاد ترتيب المواقع، ويغادر بعض رجال المرحلة مواقعهم بهدوء، كما دخلوها بهدوء. غادر حويجة منصبه، لكن اسمه ظل حاضرًا في السردية السياسية السورية، كلٌّ يراه من زاويته: خصوم النظام يرونه رمزًا لمرحلة القبضة الأمنية الصارمة، وأنصاره يعتبرونه جزءًا من منظومة حفظ الاستقرار في بلدٍ محاط بالعواصف.
إن تقييم شخصية كإبراهيم حويجة لا يمكن فصله عن تقييم المرحلة بأكملها. فهو لم يكن حالة فردية معزولة، بل نتاج بنية حكم تشكّلت على قاعدة الأمن كأولوية مطلقة. وفي أنظمة كهذه، يصبح رجل الأمن تجسيدًا لفلسفة الدولة ذاتها: دولة تخشى الانفلات أكثر مما تخشى الجمود، وتقدّم السيطرة على الانفتاح.
برأيي، قراءة سيرة حويجة لا ينبغي أن تكون محاكمة انفعالية ولا تبريرًا مطلقًا، بل محاولة لفهم كيف تتشكل شخصيات السلطة في البيئات المغلقة. فالرجل، مهما كان موقعه، تحرّك ضمن منظومة أكبر منه، لكنها في الوقت نفسه لم تكن لتعمل بالطريقة ذاتها من دون رجال مثله. وتاريخ سوريا الحديث، إذا أُريد له أن يُفهم بعمق، يحتاج إلى تفكيك هذه الشخصيات بهدوء، بعيدًا عن الشيطنة المطلقة أو التقديس الأعمى، لأن الحقيقة – كما العادة – تسكن المنطقة الرمادية بين الطرفين.