
إدارة الصراع بدل حسمه… ملامح الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة المقبلة
يبدو أن ما كان متوقعًا في وقت سابق بدأ يتبلور على الأرض بشكل أكثر وضوحًا، حيث تشير التطورات الأخيرة إلى أن المسار العام للأحداث يسير وفق ترتيبات دقيقة لم تفاجئ المراقبين.
فبعد تعثر المسارات التفاوضية في إسلام آباد، وسقوط بعض المبررات السياسية أمام الرأي العام الدولي، أصبحت معالم المقاربة الأمريكية أكثر وضوحًا، وتقوم على إدارة التصعيد بدل إنهائه.
ومع ترسخ تفوق جوي لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وتراجع فاعلية عدد من القدرات العسكرية الأساسية، سواء الجوية أو الدفاعية أو البحرية، إضافة إلى استهداف منظومات القيادة والسيطرة، لم يعد هدف إنهاء الحرب سريعًا مطروحًا كأولوية، بل باتت إدارة استمرارها بالشكل الذي يحقق أكبر قدر من المكاسب هي الخيار الأرجح.
في هذا السياق، تتحرك الاستراتيجية نحو إبقاء حالة الصراع ضمن سقف مضبوط، يسمح باستثمارها سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا في ملفات الطاقة، مع استنزاف الخصوم وإرباك خصوم واشنطن الاستراتيجيين وعلى رأسهم الصين.
ومن المتوقع أن تتجه المرحلة القادمة إلى نمط من “الحرب المحكومة”، التي تقوم على:
- تصعيد استخباراتي مستمر لرصد القيادات ومحاولات إعادة بناء القدرات العسكرية
- ضغط اقتصادي متصاعد يهدف إلى إنهاك الداخل عبر العقوبات والعزلة
- تنفيذ ضربات محدودة ودقيقة ضد أهداف نوعية دون الوصول إلى حرب شاملة
- إدارة مرنة للتصعيد بحيث يرتبط مستوى الضربات بسلوك الطرف الآخر وتطور الميدان
وفي المقابل، يُتوقع أن تستمر إسرائيل في أداء دورها العملياتي عبر استهداف البنى التحتية والقدرات الاقتصادية، بما يساهم في زيادة الضغط الداخلي ورفع كلفة الصمود، في إطار يتجاوز في بعض جوانبه قواعد الاشتباك التقليدية.
أما الأخطر في هذه المقاربة، فهو التركيز المتزايد على الداخل الإيراني نفسه، من خلال توسيع الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولة إضعاف تماسك المؤسسات، وعزل مراكز القرار عن الشارع، مع العمل على استنزاف الجبهة الداخلية عبر الأزمات المعيشية المتراكمة.
كما تبرز ضمن هذا التصور محاولة فصل النفوذ الإقليمي المرتبط بإيران عنها، عبر تفكيك شبكاتها الحليفة أو إنهاكها تدريجيًا.
وفي المحصلة، لا يبدو أن الهدف يتمثل في حسم عسكري مباشر، بل في تجنب سيناريوهات الانهيار الفوضوي المشابهة لتجارب سابقة، مقابل دفع النظام نحو إنهاك طويل الأمد قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيله من الداخل وفق توازنات جديدة.