
إلى السد الرئيس أحمد الشرع: ملاحظات من موقع القلق الوطني:
حين تتولى قيادة بلد خرج من حرب طويلة، فأنت لا ترث سلطة بقدر ما ترث حطام دولة وذاكرة مجتمع مثقل بالخوف والريبة والانقسام. في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن تُدار الدولة، بل يجب أن يُعاد تعريف معنى الدولة نفسها في وعي الناس.
أول ما أراه ضروريًا، وأقوله بصدق لا مجاملة فيه، هو أن أخطر ما يمكن أن يُبنى في هذه المرحلة هو “الانتصار السياسي” على حساب “الاستقرار الاجتماعي”. فالدول التي تُدار بمنطق الغلبة، حتى لو كانت حسنة النية، تنزلق سريعًا إلى إعادة إنتاج أسباب الحرب بشكل جديد. المطلوب ليس أن تُهزم الأطراف، بل أن تُقنع جميع الأطراف أن الدولة فوق الانقسام.
أنتم اليوم أمام مجتمع لا يثق بسهولة، لأن سنوات الحرب لم تترك فقط دمارًا في البنى، بل حفرت شروخًا في الوعي. لذلك فإن أي خطاب رسمي، مهما كان محكمًا، لن يكون كافيًا ما لم يُترجم إلى سلوك مؤسسي يومي يشعر به المواطن في أمنه وكرامته وعدالة معاملته.
أنصحك أن تجعل من “العدالة” لا “الولاء” أساس العلاقة بين الدولة والناس. العدالة الانتقالية ليست ملفًا قانونيًا فقط، بل هي طقس وطني يعيد تعريف الألم ويمنع تحوله إلى ثأر دائم. لا يمكن لأي سلطة أن تطلب من الناس النسيان، لكن يمكنها أن تدير الذاكرة دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى وقود حرب جديدة.
وأقولها بوضوح: أخطر ما يهدد أي مرحلة انتقالية هو ترك المجال مفتوحًا لخطاب التخوين والتكفير السياسي والاجتماعي. هذا الخطاب، حين يُترك بلا ضبط، لا يدمّر الخصوم فقط، بل يدمّر فكرة الدولة نفسها، لأنه يجعل كل اختلاف تهديدًا وجوديًا، وكل خصم عدوًا مطلقًا.
كذلك، لا بد من إدراك أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو سياسة يومية تمس كرامة الناس. الجوع والبطالة والفساد ليست مشكلات تقنية، بل هي عوامل تفكك اجتماعي إذا لم تُعالج بسرعة وشفافية. الناس لا تنتظر خطابات طويلة، بل تنتظر عدالة في الفرص ووضوحًا في القواعد.
وأخيرًا، فإن أهم ما يمكن أن تفعله في هذه المرحلة هو أن تضع لنفسك حدودًا واضحة للسلطة قبل أن يفرضها عليك الواقع. السلطة التي لا تضبط نفسها في البداية، تُضبط لاحقًا بأزمات لا يمكن التحكم بها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فشل مشروع سياسي، بل فشل فكرة “الدولة المشتركة” نفسها. وكل خطوة اليوم يجب أن تُقاس بهذا المعيار الوحيد: هل تعيد بناء الثقة بين السوريين، أم تعمّق الشك بينهم؟
هذه ليست نصيحة سلطة بقدر ما هي نصيحة بقاء.