--:--
استطلاع جديد: تأييد ترامب يظل قريباً من أدنى مستوياته وسط تصاعد القلق الاقتصادي وفد سوري يزور بيروت لبحث استخدام السوريين لمطار رينيه معوض وتطوير الربط الحدودي

إسرائيل بين فخ الحرب وفخ السلام

Salah Kirata • ٩‏/٦‏/٢٠٢٦

44932.jpg

إسرائيل بين فخ الحرب وفخ السلام

منذ تأسيسها، اعتادت إسرائيل إدارة صراعاتها وفق معادلة واضحة: حرب سريعة تنتهي بتعزيز الردع، أو تسوية سياسية تكرّس نتائج القوة العسكرية. غير أن المواجهة المفتوحة مع إيران وضعت هذه المعادلة أمام اختبار غير مسبوق، إذ يبدو أن جميع المسارات المتاحة تحمل في طياتها أثمانًا استراتيجية باهظة.

فالحرب التي كان يُفترض أن تعيد تثبيت التفوق الإسرائيلي تحولت إلى استنزاف طويل يفرض على المنطقة واقعًا جديدًا. ومع كل يوم إضافي من المواجهة، تنشغل إسرائيل في إدارة معركة معقدة، بينما تستثمر قوى إقليمية أخرى الوقت لإعادة ترتيب موازين القوة وتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي. وفي عالم لا ينتظر المترددين، فإن الفراغ الذي تخلقه الحروب الكبرى سرعان ما تملؤه قوى صاعدة تبحث عن موقع أكبر في الإقليم.

لكن المعضلة لا تتوقف عند استمرار الحرب. فحتى إذا توقفت العمليات العسكرية غدًا، فإن الأسئلة التي ستطرح نفسها ستكون أكثر خطورة من أصوات الصواريخ. كيف يمكن لإسرائيل أن تعلن نجاحًا استراتيجيًا إذا بقيت إيران محافظة على قدرتها على المواجهة؟ وكيف يمكن إقناع الداخل الإسرائيلي والحلفاء الخارجيين بأن أهداف الحرب قد تحققت إذا انتهى الصراع من دون تغيير جذري في موازين القوى؟

هنا تحديدًا تكمن المفارقة. فاستمرار الحرب يسرّع تحولات إقليمية لا تصب في المصلحة الإسرائيلية، بينما يهدد وقفها بترسيخ انطباع واسع بأن القوة الإسرائيلية لم تعد قادرة على فرض النتائج السياسية التي اعتادت فرضها في العقود السابقة. وبين هذين الخيارين تبدو تل أبيب عالقة داخل معادلة شديدة القسوة؛ فكل خطوة إلى الأمام تحمل خسارة، وكل تراجع يفتح بابًا جديدًا من التحديات.

الأكثر أهمية أن الصراع كشف حدود القوة العسكرية التقليدية في تحقيق الأهداف السياسية الكبرى. فالتفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، يفقد جزءًا من فعاليته عندما يصبح الطرف المقابل قادرًا على الصمود وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفة القرارات المصيرية. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود السؤال متعلقًا بمن يملك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع تحمل نتائج الصراع لفترة أطول.

لهذا السبب، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه إسرائيل اليوم لا يتمثل فقط في نتائج المعركة الجارية، بل في التحولات التي أطلقتها هذه المعركة داخل البيئة الإقليمية بأكملها. فالحروب الكبرى لا تعيد رسم الحدود فحسب، بل تعيد توزيع النفوذ وتحديد اللاعبين القادرين على قيادة المرحلة التالية.

ومن هنا يمكن القول إن إسرائيل لا تواجه تحديًا عسكريًا عابرًا، بل تقف أمام لحظة استراتيجية فارقة. فالحرب التي بدأت بهدف تثبيت موازين القوى قد تنتهي بإعادة تشكيلها، والنجاح التكتيكي في ساحة القتال قد لا يكون كافيًا لمنع خسارة أوسع على مستوى الجغرافيا السياسية. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح المشكلة الأساسية ليست كيفية كسب المعركة، بل كيفية الخروج من نتائجها.