
إذا كان النظام باقياً… ماذا حقق القصف؟
حين نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر استخباراتية أن القيادة في إيران ما تزال متماسكة، وأن النظام لا يبدو معرضاً للانهيار في أي وقت قريب رغم أسبوعين من القصف الأميركي والإسرائيلي، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بطهران بقدر ما يتعلق بجدوى الحرب نفسها.
فإذا كانت التقديرات الاستخباراتية الأميركية تشير إلى أن النظام ما زال مسيطراً على مؤسسات الدولة وعلى الرأي العام إلى حد كبير، وإذا كانت القيادة السياسية والعسكرية ما تزال تعمل دون مؤشرات انهيار، فإن المعنى البسيط لذلك أن الهدف الاستراتيجي للحرب – إن كان الهدف هو إضعاف النظام أو دفعه نحو السقوط – لم يتحقق.
وهنا يبرز السؤال القاسي: ماذا فعل التحالف الأميركي – الإسرائيلي فعلياً؟
لقد دُمّرت مبانٍ، واستُهدفت قواعد، وربما ضُربت مخازن سلاح ومراكز عسكرية. لكن التاريخ القريب يخبرنا أن ما يُهدم يمكن إعادة بنائه، وما يُدمَّر من عتاد يمكن تعويضه. فالمصانع تعود إلى العمل، والورش العسكرية تعيد الإنتاج، والاقتصاد – حتى وهو تحت الضغط – يتكيّف ويبحث عن منافذ جديدة.
أما النظام السياسي، إذا بقي قائماً، فإنه يتحول غالباً إلى نظام أكثر صلابة، لا أقل.
التجربة التاريخية في الحروب تقول إن القصف الخارجي نادراً ما يُسقط الأنظمة. على العكس، كثيراً ما يمنحها سبباً إضافياً لتعبئة المجتمع حولها. فحين تشعر الشعوب بأنها تحت هجوم خارجي، تتراجع الخلافات الداخلية مؤقتاً، ويصعد خطاب الدفاع الوطني، وتجد السلطة فرصة لإعادة ترتيب الداخل تحت عنوان الصمود.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فإذا كانت التقارير الاستخباراتية نفسها تقول إن النظام الإيراني ما يزال متماسكاً، وإنه لا يواجه خطراً وشيكاً، فهذا يعني أن الضربات العسكرية – مهما كانت مؤلمة أو مكلفة – لم تمس جوهر المعادلة السياسية في إيران.
لقد أصابت البنية، لكنها لم تصب السلطة.
ولذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما هو الهدف الحقيقي لهذه الحرب؟
هل هو تغيير النظام؟ أم مجرد إضعاف قدراته العسكرية؟ أم إرسال رسالة ردع؟
إذا كان الهدف هو تغيير النظام، فالمؤشرات الحالية لا تدل على ذلك.
وإذا كان الهدف هو تدمير قدراته العسكرية، فهذه قدرات يمكن إعادة إنتاجها مع الوقت.
أما إذا كان الهدف هو الردع، فإن الردع الحقيقي لا يُقاس بعدد المباني المدمرة، بل بمدى تغيّر السلوك السياسي للطرف الآخر.
حتى الآن، لا يبدو أن هذا التغيير قد حدث.
وهكذا نعود إلى النقطة الأولى: إذا كان النظام باقياً، فإن كل ما دُمّر يمكن أن يُعاد بناؤه، وكل ما خُسر يمكن تعويضه. فالدول لا تُهزم حين تخسر معداتها فقط، بل حين تفقد قدرتها على الحكم أو السيطرة أو الاستمرار.
وفي الحالة الإيرانية، تقول التقديرات نفسها إن هذه القدرة ما تزال قائمة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس عن حجم الدمار، بل عن معنى الحرب نفسها:
هل غيّرت شيئاً في موازين السياسة؟ أم أنها مجرد فصل آخر في صراع طويل، يدفع ثمنه الجميع بينما تبقى المعادلات الكبرى كما هي؟