
إيران أولاً… قراءة في ميزان القوى القادم في الشرق الأوسط
أحمد محمود الأحمد
حقوقي و باحث في الدراسات العربية المعاصرة
في الشرق الأوسط الحروب لا تحدث بعيداً عن خرائط القوة. و كل ضربة عسكرية و كل آزمة نووية و حتى التحالفات الجديدة هي قواعد اللعبة لصراع أوسع على لتشكيل النظام الإقليمي القادم. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما الذي يحدث لإيران اليوم، بل ماذا سيأتي بعد هذه المرحلة.
إذا نظرنا إلى المشهد برؤية تحليلية، يبدو أن الهدف الأول في المرحلة الحالية هو إضعاف إيران وتقليص قدراتها الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية وشبكة النفوذ الإقليمي التي أسستها منذ عقود.
طهران منذ سنوات تقدم الخطاب الأمريكي و الأسرائيلي باعتباره التهديد الأمني الأكبر في المنطقة. لذلك فإن أي عقوبات اقتصادية أو عملية عسكرية أو ضغط سياسي مكثف ضدها يُفهم في إطار إعادة ضبط ميزان الردع، و ليس مجرد صراع عابر.
لكن ما تعلمناه من التاريخ السياسي للمنطقة يخبرنا أن إسقاط أو إضعاف قوة كبيرة لا ينهي الصراع، بل يترك الفراغ الذي قد ينشأ بعد تراجع الدور الإيراني الذي يبقى فارغاً. و المنطقة مليئة بالقوى الطامحة، والتحالفات فيها باتت تتحرك بسرعة. هنا تبدأ المرحلة الثانية من التفكير الاستراتيجي: من سيملأ هذا الفراغ؟
في هذا السياق تظهر الفرضية الأولى أن إسرائيل تسعى، بدعم أمريكي وغربي، إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية أكثر تفوقاً عسكرياً وتقنياً. ليس بالضرورة عبر التوسع الجغرافي المباشر، بل عبر خلق بيئة إقليمية تصبح فيها القوة الوحيدة القادرة على فرض الردع والتفوق العسكري الواضح. أي الانتقال من مرحلة التوازن المتوتر إلى مرحلة التفوق المفروض واقعياً.
لكن هذا السيناريو يطرح سؤالاً أكبر: ماذا عن تركيا؟
تركيا اليوم ليست مجرد دولة إقليمية عادية. هي قوة عسكرية كبيرة، و عضو في حلف الناتو، واقتصادها وشبكة علاقاتها الدولية يمنحانها وزناً سياسياً واسعاً. لذلك فإن التعامل معها يختلف و لا يمكن أن يكون بالطريقة نفسها التي يُتعامل بها مع إيران. فإذا كان الضغط على طهران يأخذ طابعاً عسكرياً وأمنياً مباشراً، فإن التعامل مع أنقرة في حال أصبح التنافس معها حاداً سيأخذ أشكالاً مختلفة: صراعات نفوذ و ضغوط سياسية، وتوازنات اقتصادية، وربما محاولات احتواء غير مباشرة.
من هنا يمكن فهم المشهد كعملية إعادة ترتيب تدريجية لموازين القوى في الشرق الأوسط. فإضعاف إيران ربما يكون الخطوة الأولى و الأعنف، لكنه ليس النهاية. المرحلة التالية قد تكون صراعاً أكثر هدوءاً حول من يمتلك النفوذ الأكبر في المنطقة: تركيا أم الدول العربية الكبرى، أم إسرائيل التي تسعى إلى تثبيت تفوقها العسكري والتكنولوجي.
مع ذلك، يبقى هناك عامل مهم لا يمكن تجاهله. الشرق الأوسط أصبح متغير وبدأت دول البترول تبني تحالفاتها و تاريخياً لا يسمح بسهولة بظهور قوة واحدة مهيمنة لفترة طويلة. كلما اقتربت دولة من التفوق الكامل، تتشكل حولها تحالفات مضادة تعيد توزيع القوة. و هذه قاعدة شبه ثابتة في تاريخ المنطقة و العراق مثالاً.
لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون هيمنة كاملة لطرف واحد، بل مرحلة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات، حيث تحاول كل قوة إقليمية حماية موقعها ومنع الأخرى من السيطرة الكاملة.
في النهاية، ما يحدث اليوم ربما يكون بداية فصل جديد في صراع النفوذ في الشرق الأوسط. فصل لا تُكتب نهايته في ساحة المعركة فقط، بل في مراكز القرار والتحالفات التي تتشكل خلف الكواليس. وربما يكون السؤال الأهم في السنوات القادمة ليس من انتصر في هذه الحرب، بل أي نظام إقليمي سيولد بعدها.