
إيران بين منطق الاستنزاف وخطأ الحسابات الغربية:
في قراءة مسار أي صراع دولي، كثيرًا ما يكون الخطأ الأكبر هو سوء تقدير الخصم. هذا ما يبدو أنه حدث مرارًا في نظرة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إيران. فالتعامل معها جرى أحيانًا بمنطق التعامل مع دول حديثة التكوين أو أنظمة سياسية هشة، بينما الواقع أن إيران دولة ذات بنية تاريخية وسياسية مختلفة، تشكلت عبر قرون طويلة وتملك تجربة عميقة في إدارة الصراعات الطويلة.
العقيدة العسكرية الغربية، خصوصًا الأميركية والإسرائيلية، تعتمد في الغالب على التفوق الناري السريع: ضربات مكثفة، تدمير واسع للبنية التحتية العسكرية، ثم فرض واقع سياسي جديد خلال وقت قصير. هذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها في حروب عديدة، لكنها تقوم على فرضية أساسية: أن الخصم سيفقد قدرته على الصمود بسرعة.
في المقابل، يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مبدأ مختلف تمامًا: إدارة الحرب الطويلة واستيعاب الضربات الأولى. منذ حرب العراق في ثمانينيات القرن الماضي ثم مرحلة ما بعد احتلال العراق عام 2003، ركزت طهران على تطوير قدراتها في مجال الحرب غير المتكافئة، وتوسيع منظوماتها الصاروخية، وبناء بنية تحتية عسكرية موزعة ومحمية، كثير منها تحت الأرض.
هذا النوع من التحصين العسكري يجعل استهداف القدرات الإستراتيجية أكثر تعقيدًا. فبدل الاعتماد على قواعد مكشوفة أو مخازن تقليدية، اعتمدت إيران على توزيع واسع للقدرات العسكرية، ما يقلل من احتمال شلها بضربة واحدة أو حتى بسلسلة ضربات جوية.
كما أن العقيدة الإيرانية في استخدام القوة تبدو حذرة ومتدرجة؛ فهي لا تميل عادة إلى استخدام كامل قدراتها دفعة واحدة، بل تعتمد مبدأ التصعيد المرحلي وإدارة الإيقاع العسكري والسياسي في آن واحد. الهدف من ذلك ليس تحقيق انتصار سريع، بل إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على الخصم.
وفي هذا السياق، تحتل الجغرافيا دورًا أساسيًا. فإيران دولة واسعة المساحة، تمتلك عمقًا استراتيجيًا كبيرًا مقارنة بكثير من دول المنطقة. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة تأثير مباشرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. أي توتر في هذه المنطقة ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
من هنا يصبح الصراع، إن وقع، ليس مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل معركة تأثير اقتصادي وجيوسياسي أوسع. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، واحتمالات توسع الصراع إقليميًا، كلها عوامل تضع ضغوطًا على القوى الكبرى التي تحاول تجنب انزلاق العالم إلى أزمة اقتصادية أعمق.
بالتالي، جوهر المواجهة لا يكمن فقط في حجم القوة العسكرية، بل في طبيعة الاستراتيجية المستخدمة. هناك فرق بين من يعتمد الضربة السريعة لإنهاء الصراع، ومن يبني خطته على الاستنزاف الطويل وتغيير موازين الكلفة مع مرور الوقت.
وفي كثير من الأحيان، لا تحسم الحروب الكبرى في الأيام الأولى، بل في قدرة الأطراف على الصمود وإدارة الزمن الاستراتيجي للصراع. هنا يتحدد ما إذا كانت الحرب مواجهة قصيرة أم مسارًا طويلًا يعيد تشكيل التوازنات في المنطقة والعالم.