
إيران كقوة صاعدة بين منطق الدولة ومشروع النفوذ: قراءة في صراع الإقليم بلا تجميل
في الشرق الأوسط، لا تُقاس التحولات السياسية بالنوايا المعلنة، بل بميزان الفعل على الأرض. فالدول لا تتحرك في فراغ أخلاقي، بل داخل حسابات دقيقة من المصالح والأمن والتوسع والنفوذ. ومن هنا، فإن التعامل مع بوصفها فاعلًا إقليميًا لا يمكن اختزاله في صورة تقليدية لصداقة أو عداوة عابرة، بل بوصفه مشروع قوة ممتدًا يعيد تشكيل خرائط التأثير في المنطقة منذ عقود.
الإشكالية في المقاربة العربية ليست فقط في قراءة هذا الدور، بل في التردد بين توصيفه كخطرٍ آني يمكن احتواؤه، أو كتحولٍ استراتيجي طويل المدى يفرض إعادة بناء أدوات التفكير السياسي والأمني. فإيران لا تتحرك كدولة حدودية بالمعنى الكلاسيكي، بل كدولة تحمل رؤية توسع نفوذها عبر محيطها الجغرافي، مستخدمة أدوات متعددة تتراوح بين السياسة والأيديولوجيا وشبكات التحالفات غير المباشرة.
هذا النوع من الحضور الإقليمي لا يُدار بالتصريحات ولا بالمواقف الانفعالية، بل بمنطق توازن قوى صارم، يدرك أن الفراغات السياسية في المنطقة لا تبقى فراغات طويلًا، وأن أي انهيار في منظومة دولة ما يُنتج تلقائيًا مساحة يتم ملؤها من قبل القوى الأكثر جاهزية وتنظيمًا.
من هنا، فإن أخطر ما واجه النظام العربي خلال العقود الأخيرة ليس فقط التحديات الخارجية، بل ضعف القدرة على بناء مشروع إقليمي مضاد، واضح المعالم، قادر على ضبط إيقاع التمدد والتأثير، سواء عبر أدوات الدولة أو عبر الأزمات الداخلية التي تحولت إلى ساحات تنافس مفتوحة.
وفي المقابل، فإن اختزال المشهد في خطاب عاطفي أو توصيفات مطلقة من نوع “عدو دائم” أو “صراع وجودي شامل” لا يضيف فهمًا حقيقيًا، بل يعمّق العجز عن إدارة الصراع وفق أدوات السياسة الواقعية. فالعلاقات الدولية، حتى في أكثر مراحلها توترًا، تبقى محكومة بمنطق الردع، لا بمنطق الإلغاء.
إن قراءة الدور الإيراني اليوم يجب أن تنطلق من إدراك أن المنطقة أمام حالة إعادة تشكل مستمرة، وأن الفاعلين الإقليميين، ومن بينهم إيران، يتحركون ضمن فراغات استراتيجية أنتجتها أزمات الداخل العربي أكثر مما أنتجتها الإرادات الخارجية وحدها.
لذلك، فإن أي مقاربة جادة لا بد أن تقوم على ثلاثة مرتكزات: وضوح في توصيف التهديدات دون مبالغة، صرامة في بناء أدوات الردع والتوازن، وواقعية في فهم أن الاستقرار لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر منظومات قوة متماسكة قادرة على فرض قواعد اشتباك واضحة.
بهذا المعنى، لا يكون التحدي في “شيطنة” طرف أو “تقديس” آخر، بل في الخروج من دائرة الانفعال إلى دائرة الدولة: حيث تُدار الصراعات بالعقل، وتُبنى السياسات على القوة المحسوبة، لا على ردود الفعل.