
إيران والحرب من بعيد: واقع أمني جديد بدلاً من انتصار درامي
الحرب ضد إيران تكشف درساً قاسياً: لا غزو بري ولا انتفاضة شعبية تعني إسقاط النظام بمجرد القصف الجوي. القوة العسكرية وحدها لا تنهك نظاماً قائمًا؛ ما يُحدث فرقاً هو ضرب الأسس الاقتصادية والسياسية للسلطة، والقدرة على إدارة الدولة والسيطرة على مؤسساتها، وليس فقط منصات الإطلاق أو المقرات العسكرية.
من منظور طهران، يكفي الصمود والقدرة على إطالة أمد التوتر الإقليمي وخلق حالة من القلق وعدم الاستقرار. حتى صاروخ واحد يومياً، حتى لو لم يصب هدفاً مباشراً، يحقق تأثيراً كبيراً على الاقتصاد والوعي الجمعي. ما لم يتحقق هو انهيار داخلي مفاجئ: الشعب الإيراني لم يخرج إلى الشوارع، والأقليات لم تفتح جبهة ضد النظام. الأنظمة لا تنهار بسبب القصف وحده، بل بفقدان السيطرة والموارد المالية والشرعية.
درس سوريا واضح: سقوط النظام لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة سنوات من التآكل العسكري والاقتصادي والسياسي. نفس المنطق ينطبق على إيران ولبنان؛ لا متوقع أن يظهر فاعل داخلي ينهار النظام نيابة عن الآخرين. التمنيات وحدها لا تصنع استراتيجية ناجحة.
إذا كان الهدف هو الحد من تهديد إيران، يجب استهداف مصادر دخلها، مؤسسات سيطرتها، وهياكل ولائها، ليس فقط قدراتها العسكرية. هذا يتطلب صبراً استراتيجياً واستمرارية في الضغط على النظام، حتى لو بقي في السلطة. النتيجة المرجوة ليست بالضرورة “صورة نصر”، بل نظام أضعف، محدود الموارد، أقل قدرة على التهديد، وأكثر حرصاً على الحفاظ على ما تبقى من سلطته.
باختصار، الحرب من بعيد يمكن أن تغيّر الواقع الأمني بشكل جذري، حتى دون إسقاط النظام، من خلال خلق إيران منهكة، محدودة القدرات، وخائفة من تكرار أخطائها السابقة. المطلوب ليس الانتصار الدرامي، بل الواقع الأمني الجديد.