--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

كأس العرق التي نسيت بسببها الخوف

Salah Kirata • ٢٩‏/٥‏/٢٠٢٦

40015.png

كأس العرق التي نسيت بسببها الخوف :

حدث ذلك في مدينة ساحلية مزدحمة بالرطوبة والذكريات الثقيلة. كنا نجلس في مطعم قديم يطل على الميناء، أنا وثلاثة أصدقاء، نتبادل النكات السياسية بالطريقة العربية المعتادة: نضحك كثيرًا ونخفض أصواتنا أكثر...

كانت الطاولة مليئة بأطباق السمك وكؤوس العرق، حتى صار العالم يبدو أخفّ قليلًا، كأن الدولة نفسها يمكن احتمالها بعد الكأس الثانية...

وفجأة، تبدّل هواء المكان، ليس لأن أحدًا أعلن شيئًا، بل لأن الناس يعرفون بالفطرة متى يدخل الخوف إلى المطعم...

وقف الجميع دفعة واحدة. بعضهم وقف بسرعة عسكرية، وبعضهم وقف متأخرًا وهو يعدّل قميصه مرتبكًا، وآخرون صفقوا بحماس مبالغ فيه كأنهم يختبرون ولاءهم أمام كاميرات خفية...

دخل الرئيس:

كان محاطًا برجال بوجوه تصلح لإيقاف القلب أكثر من حماية الدولة.

الجميع وقف، إلا أنا، ليس لأنني معارض تاريخي أو صاحب قضية كبرى، بل لأن كمية العرق التي شربتها جعلتني أعتقد للحظات أن البشر متساوون فعلًا، وأن الحاكم مجرد رجل آخر يبحث عن طاولة فارغة وعشاء هادئ...

بعد دقائق، اقترب مني رجل ضخم يرتدي بدلة داكنة، انحنى قليلًا وهمس بصوت جعل الملح يتجمّد فوق السمك:

— الرئيس يريد التحدث معك:

في تلك اللحظة شعرت أن أجدادي جميعًا تبرؤوا مني دفعة واحدة، مشيت خلفه بين الطاولات، بينما كان أصدقائي ينظرون إليّ كما ينظر ركاب السفينة إلى أول شخص يسقط في البحر...

وصلت إلى الطاولة الرئيسية، رفع الرئيس نظره نحوي وقال بهدوء أخطر من الصراخ:

— لماذا بقيت جالسًا؟

كان السؤال بسيطًا، لكنني شعرت أنه فخ فلسفي قد يغيّر مصيري كله، فداخل رأسي كان هناك شخصان:
- الأول يصرخ: 
“اعتذر فورًا.”
- والثاني، الذي يبدو أنه الممثل الرسمي للعرق في جسدي، يقول:
“هذه فرصتك لتقول الحقيقة قبل أن تعود عاقلًا.”

وانتصر السكر كعادته على الحكمة، وقلت:

— لأن الوقوف دون رغبة يشبه الكذب الجماعي.

ساد صمت قصير.

ثم سأل وهو يشير إلى القاعة:
— وهل ترى الجميع كاذبين؟

قلت:
— ليس تمامًا… بعضهم يحبك فعلًا، وبعضهم خائف، وبعضهم وقف لأن التصفيق معدٍ أكثر من الإنفلونزا.

سمعت أحد الواقفين يختنق من التوتر خلفي، ابتسم الرئيس ابتسامة صغيرة لا توحي بأي خير وقال:
— يبدو أنك لا تعيش هنا.

أجبته بسرعة:
— صحيح… أقيم في إسبانيا.

والحقيقة أن الفندق مكان اقامتي كان يبعد سبع دقائق فقط عن المطعم، لكن الإنسان حين يخاف قد يهاجر جغرافيًا خلال جملة واحدة...

سألني:
— وفي إسبانيا، ألا يقف الناس لزعيمهم؟

قلت:
— بعضهم يقف احترامًا… وبعضهم يبقى جالسًا… وبعضهم لا ينتبه أصلًا لأن المباراة أهم من السياسة.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— ستتعلم مع الوقت كيف تتصرف.

قلت دون تفكير:
— المشكلة أنني كبرت بما يكفي لأفقد موهبة التصفيق.

في تلك اللحظة تمنيت لو أن الأرض تفتح بابًا صغيرًا وتبتلعني باحترام.

اقترب مني قليلًا وسأل:
— ماذا تعمل؟

قلت:
— أستاذ علوم سياسية.

ضحك أحد الجالسين بخفوت، بينما قال الرئيس:
— وما الذي تدرّسونه بالضبط؟

قلت:
— نظريًا؟ علاقة المواطن بالدولة.
أما عمليًا… فأظنني أتعلم الليلة علاقة الدولة بالمواطن.

اختفت الابتسامات فجأة.

شعرت أن رجال الحماية بدأوا يقيسون حجم الصندوق المناسب لي...

ثم سألني عن اسمي.

أجبته.

فقال:
— يبدو أنك تنتمي إلى عائلة محترمة.

قلت:
— لهذا أحاول ألا أكذب وأنا جالس.

هنا انتهى كل شيء.

أشار بيده إشارة قصيرة تعني أن المقابلة انتهت، لكنها بدت لي كأنها قرار تاريخي...

تراجعت إلى الخلف ببطء، وأنا حريص ألا أستدير بسرعة أو أتعثر، لأنني لم أكن واثقًا إن كنت أغادر مطعمًا… أم أغادر مرحلة كاملة من حياتي.

وعندما عدت إلى طاولتي، كان كأس العرق ما يزال في مكانه.

باردًا، بريئًا، وكأنه غير مسؤول عمّا فعل بي.