
خمسة أيام على حافة المعنى: حين تتحول الحرب إلى مساومة مفتوحة.
ليس في السياسة ما يُسمّى تفصيلاً عابراً، خصوصاً حين يصدر عن شخصية مثل دونالد ترامب. المهلة القصيرة التي أُضيفت إلى إنذار موجّه لإيران لا يمكن قراءتها كإجراء تقني، بل كعلامة على لحظة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع هواجس السوق وضغوط الداخل. نحن أمام مشهد لا تُحدده الصواريخ وحدها، بل أيضاً أسعار النفط، وصناديق الاقتراع، ومخاوف الحلفاء.
الازدواجية بين التهديد وفتح باب التفاوض ليست تناقضاً بقدر ما هي تعبير عن طبيعة الصراع نفسه. فالحروب الحديثة، خاصة في مناطق حساسة كمنطقة الخليج، لم تعد تُخاض بهدف الحسم العسكري الصرف، بل لإعادة صياغة التوازنات. من هنا، تبدو أي مهلة إضافية كأنها مساحة لإعادة التموضع، لا فقط على الأرض، بل في الحسابات الكبرى.
في هذا الإطار، يمكن فهم القلق في إسرائيل، ليس من احتمال التصعيد بقدر ما هو من احتمال التراجع. فالتجربة مع دونالد ترامب تُظهر ميلاً واضحاً إلى القفز بين الحواف: تصعيد حاد يتبعه انفتاح مفاجئ على التسويات. هذا النمط يربك الحلفاء قبل الخصوم، لأنه يخلق فجوة بين ما يُبنى عليه من توقعات وما يتحقق فعلياً على الأرض.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في شكل الضربة القادمة، إن حدثت، بل في مآل الصراع نفسه. فكل السيناريوهات المطروحة، من التصعيد الواسع إلى الضربات المحدودة أو حتى الاتفاقات المفاجئة، تشترك في نقطة واحدة: صعوبة تحقيق تغيير جذري في بنية النظام الإيراني. وهنا تحديداً يتجلى جوهر الإشكال.
التاريخ القريب يقدم مثالاً صارخاً مع كوريا الشمالية، حيث لم تمنع الاتفاقات ولا الضغوط من تحولها إلى قوة نووية مكتملة. الفكرة التي يصعب تجاهلها هي أن المعرفة الاستراتيجية لا تُمحى بالقصف، وأن الأنظمة التي تنجو من لحظة الخطر تعود غالباً أكثر صلابة وقدرة على الردع.
من هذا المنظور، يبدو الرهان على انهيار داخلي في إيران أقرب إلى التمنّي منه إلى التحليل. التجارب تُظهر أن المجتمعات تحت الضغط الخارجي تميل إلى الالتفاف حول السلطة، لا إلى إسقاطها. وهذا ما يفسر قدرة طهران على امتصاص الضربات، وإعادة توجيه الصراع نحو نقاط أكثر تأثيراً، كقطاع الطاقة والممرات الحيوية، حيث يصبح العالم كله طرفاً غير مباشر في المواجهة.
اللافت أيضاً أن إدارة الصراع من قبل إيران تكشف فهماً عميقاً لموازين القوة. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهة تقليدية، يجري نقل مركز الثقل إلى الاقتصاد العالمي، حيث الألم أشد انتشاراً وأبطأ احتواءً. إنها حرب تُدار بالأعصاب بقدر ما تُدار بالنار.
في المقابل، يبرز خلل واضح في بعض التقديرات الإسرائيلية، التي بالغت في التعويل على تفكك داخلي سريع. هذا النوع من الرهانات، حين يفشل، لا يؤدي فقط إلى إعادة حسابات، بل إلى إعادة تعريف الأهداف نفسها. وهنا تكمن خطورة اللحظة: حين تتغير الأهداف أثناء الحرب، يصبح من الصعب إعلان النصر حتى لو توقفت العمليات.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بما إذا كانت الأيام الخمسة ستقود إلى تصعيد أو إلى تسوية، بل بما إذا كانت هذه الحرب قادرة على تحقيق ما أُعلنت من أجله. فإذا انتهت المواجهة وبقيت البنية الاستراتيجية الإيرانية على حالها، فإن ما سيُقدَّم كإنجاز لن يكون سوى تأجيل لصراع أكبر. أما إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة شاملة، فإن الكلفة قد تتجاوز حدود المنطقة إلى إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه.
بين هذين الاحتمالين، تقف اللحظة الراهنة كاختبار قاسٍ للسياسة قبل السلاح. خمسة أيام قد لا تغيّر مسار التاريخ، لكنها تكشف بوضوح أن ما يجري ليس حرباً تقليدية، بل مفاوضات قاسية تُكتب بلغة القوة، وتُحسم بميزان المصالح، لا بشعارات الانتصار.