--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

كلية مدفعية الميدان عام ١٩٧٩، الجريمة التي فتحت ملفا لم يغلق .

Salah Kirata • ١٠‏/٢‏/٢٠٢٦

0212a8203fe84634ab62e6e08e299428.jpg

كلية مدفعية الميدان ١٩٧٩... الجريمة التي لم تُغلق ملفًا بل فتحته إلى اليوم :

في مساء السادس عشر من حزيران، لم يكن طلاب الضباط في كلية المدفعية بحلب وانا منهم وقتئذ يعلمون أنهم على موعد مع لحظة ستخرج من حدود الجريمة إلى حدود التاريخ، فدقائق قليلة كانت كافية لتحويل مؤسسة عسكرية تعليمية إلى مسرح دم، سقط فيه نحو ٣٣ طالبًا ضابطًا، وجُرح أكثر من خمسين آخرين، في عملية نُسبت إلى تنظيم أطلق على نفسه اسم ( الطليعة المقاتلة ) وقُدِّم بوصفه تنظيمًا منشقًا عن جماعة الإخوان المسلمين...
منذ ذلك اليوم، لم تعد المجزرة مجرد واقعة أمنية، بل تحوّلت إلى نقطة انعطاف بنيوية في علاقة السلطة بالجيش والمجتمع، وإلى ذريعة كبرى أعادت صياغة الدولة السورية على نحو ما تزال آثاره قائمة حتى اللحظة...

إلا أن السؤال الإشكالي الحقيقي هنا ليس :
-  من أطلق النار؟..
بل :
- كيف التقت هذه الجريمة مع مشروع كان يتقدّم أصلًا، ومن استفاد منها إلى أقصى حد؟..

* ما قبل المجزرة : 
المسار الذي كان جارٍ بالفعل والذي يؤكد انه من الخطأ الفادح التعامل مع مجزرة المدفعية بوصفها بداية مسار ( بعلونة ) الجيش السوري، كون هذا المسار بدأ عمليًا منذ انقلاب ١٩٦٦، وتعزز بعد الحركة التصحيحية عام ١٩٧٠ ليرى النور بأضواء خضراء فاقعة بعد المجزرة حيث أُعيد ترتيب مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية على أساس الولاء السياسي والشخصي أكثر من الكفاءة المهنية...
لكن ما لم يكن مكتملًا قبل ١٩٧٩، هو الشرعنة الكاملة لهذا المسار، ربما كانت هناك مقاومة صامتة داخل الجيش، وتنوّع اجتماعي وطائفي لم يكن قد كُسر نهائيًا، وكانت هناك حاجة – من منظور السلطة – إلى لحظة صادمة تتيح الانتقال من ( التحكّم ) إلى ( التحصين )، ومن الدولة الأمنية إلى الدولة الأمنية المطلقة...

* المجزرة، الجريمة التي وفّرت الذريعة :
هنا جاءت مجزرة المدفعية، إذ لم يكن الحدث بحاجة إلى مبالغة إعلامية؛ فبشاعته كانت كافية، لكن ما جرى بعده كان أخطر من الجريمة نفسها :
توسّع منطق الشك الشامل داخل الجيش، لا بوصفه إجراءً مؤقتًا، بل كعقيدة دائمة...
جرى التعامل مع الانتماء الطائفي – خصوصًا السني – باعتباره مؤشر خطر محتمل، لا مجرد انتماء اجتماعي...
شهدت المؤسسة العسكرية تسريحًا وإقصاءً واسعًا لضباط لا علاقة لهم بأي نشاط سياسي يمكن أن يكون معارضا فعلا فقد كانت غالبيتهم أعضاء عاملون في حزب البعث العربي الاشتراكي ومن من كان في مواقع قيادة في الحزب ضمن الوحدات والتشكيلات العسكرية، إلا أن هذا لم ينظر له بعين الاعتبار بل حاصرتهم الريبة، فقط لأنهم خارج دائرة الثقة...
تعززت تشكيلات عسكرية مرتبطة مباشرة بالعائلة، وأُعيد توزيع مفاصل القوة بما يضمن الولاء لا الاحتراف...
- بهذا المعنى، يمكن القول بدقة :
المجزرة لم تبدأ بما وصف بـ ( علونة )  الجيش، لكنها أطلقت يدها بلا قيد ولا حرج...

والسؤال هنا :
- هل استُدرجت الجماعة أم خدمت المشروع دون أن تدري؟..
للأمانة :
لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن النظام دبّر العملية أو فبركها، لكن غياب الدليل لا يلغي حقيقة أكثر تعقيدًا :
أن المناخ السياسي والأمني كان مهيّأً لدفع الصراع نحو لحظة كسر نهائي...
الطليعة المقاتلة – كتنظيم – كانت تتحرك بعقلية أيديولوجية مغلقة، ترى في المؤسسة العسكرية كتلة واحدة معادية، وتُسقط عنها أي بعد وطني أو إنساني، هذا الاختزال هو ما جعل الجريمة ممكنة...

لكن النتيجة كانت واضحة :
( النظام حصل على ما لم يكن قادرًا على تمريره دون ثمن، فقد أُسكتت كل الأصوات، بما فيها المعارضة غير الإسلامية )...
فقد جرى تكريس منطق الحكم الفردي والعائلي بوصفه ( ضرورة وجودية )...
سواء أكانت الجماعة مُستدرَجة أم مندفعة ذاتيًا، فإنها – موضوعيًا – قدّمت للنظام أعظم هدية سياسية في تاريخه...

* السياق الإقليمي، توقيت لا يمكن تجاهله :
في عام ١٩٧٩ لم يكن عامًا عاديًا، فـ 
( سورية )  و ( العراق ) كانتا على مشارف توقيع ميثاق العمل القومي، الحديث وقتها كان جديًا عن وحدة ثنائية، يكون أحمد حسن البكر رئيسها...
ومن المؤكد هنا أن هذه الوحدة كانت ستشكل تهديدًا مباشرًا لتوازنات إقليمية ودولية حساسة، بدليل انقلاب صدام حسين على البكر، ثم إعدام اعضاء القيادة القطرية العراقية الذين كانوا مؤيدين للوحدة، وهنا يبرز ما يؤكد أن الجريمة لم تكن حدثًا منفصلًا عن هذا السياق، ومن غير العلمي استبعاد احتمال :
- وجود مصالح إقليمية رأت في تفجير الداخل السوري وسيلة لإفشال أي مشروع وحدوي...
-:استعداد بعض التنظيمات العقائدية للانخراط – بوعي أو بدونه – في صراعات أكبر من قدرتها على الفهم أو التحكم...

لكن الإنصاف يقتضي القول :
 أن الأجندات الخارجية لا تُلغي مسؤولية الفاعل المحلي، ولا تُبرر قتل طلاب عُزّل...

الخاتمة :
مجزرة كلية المدفعية كانت جريمة مكتملة الأركان، بلا أي تبرير أخلاقي أو سياسي...
وكانت في الوقت ذاته ذريعة مثالية استُثمرت لإغلاق المجال العام، وتكريس دولة الخوف، وتحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى ضمانة حكم...

الا ان الخطأ كان مزدوجًا :
- تنظيم اختار العنف الأعمى، فخسر المجتمع قبل أن يواجه السلطة...
- وسلطة وجدت في الدم فرصة، فحوّلت الدولة إلى مشروع خاص طويل الأمد...
فهم هذه اللحظة لا يعني توزيع البراءات، بل إدراك كيف تتلاقى أخطاء الفاعلين مع مشاريع المستبدين، ليُدفع الوطن كله ثمنًا لا يزال مفتوحًا منذ ١٩٧٩ والذي لم يُغلق بعد، وربما أتى أكله فعلا بوصول نظام ذو بنية إسلامية مهما حاولنا تجميلها.