
لعنة المحروقات تطارد العهد الجديد
في السياسة السورية، لا توجد قرارات اقتصادية بريئة، ولا ترتفع أسعار الوقود دون أن تهتز تحتها الأرض. فالمحروقات في سوريا ليست مجرد سلعة، بل هي المقياس الحقيقي لعلاقة السلطة بالناس؛ وحين تعجز الدولة عن حماية رغيف الفقير وكلفة تنقله ودفء منزله، تبدأ شرعيتها بالتآكل مهما رفعت من شعارات الإصلاح والإنقاذ.
من هنا جاءت كلمات حسين الشرع كجرس إنذار مدوٍّ داخل البيت السياسي نفسه، لا كتعليق عابر لرجل مسن يراقب المشهد من بعيد. فحين يخرج والد الرئيس ليتحدث بلهجة ناقدة عن السياسات الاقتصادية، ويستحضر واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ سوريا الحديث، فإن الرسالة تصبح أعمق من مجرد اختلاف في الرأي. إنها إشارة إلى أن الخوف من الانفجار الاجتماعي لم يعد مقتصراً على الشارع، بل تسلل إلى الدائرة الأقرب من السلطة ذاتها.
الخطير في الأمر ليس فقط رفع الأسعار، بل الطريقة التي يُدار بها الملف الاقتصادي بعقلية الجباية نفسها التي دفعت السوريين سابقاً إلى حافة الانفجار. فالسلطة الانتقالية التي جاءت وهي تعد الناس بالخلاص من إرث الانهيار، تبدو اليوم وكأنها تعيد إنتاج الأدوات ذاتها: تحميل المواطن فاتورة العجز، وتبرير القرارات القاسية باسم الإصلاح، بينما يبقى الفساد والامتيازات الكبرى بمنأى عن أي مساس حقيقي.
السوري الذي خرج من حرب طويلة، ومن سنوات جوع وعقوبات وانهيار نقدي، لم يعد معنياً كثيراً بالنظريات الاقتصادية ولا بخطط “إعادة الهيكلة”. ما يعنيه ببساطة هو: هل يستطيع الوصول إلى عمله؟ هل يستطيع شراء الخبز والدواء والوقود؟ وهل يشعر أن الدولة تقف معه أم فوقه؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد مصير الحكومات، لا البيانات الرسمية ولا المؤتمرات الاقتصادية.
لهذا تحديداً، تبدو المقارنة مع سياسات عام 2008 مخيفة إلى هذا الحد. ففي ذلك الوقت، اعتقدت السلطة أن بإمكانها تمرير الصدمة الاقتصادية عبر القبضة الأمنية والإعلام الرسمي، لكنها لم تدرك أن الضغط المعيشي يتراكم بصمت حتى يتحول إلى غضب كاسح. واليوم، تتكرر المقدمات ذاتها في ظرف أكثر هشاشة وفقراً وانقساماً، ما يجعل أي خطأ اقتصادي مضاعف التأثير والخطورة.
الأخطر أن الحكومة الانتقالية تخاطر بخسارة أهم ما تمتلكه: الرصيد الشعبي المؤقت الذي منحها الناس إياه على أمل التغيير. فالشرعية الانتقالية ليست شرعية ثابتة؛ إنها عقد هش يقوم على توقعات الناس بأن القادم سيكون أقل قسوة من الماضي. وعندما يشعر المواطن أن حياته تزداد سوءاً، فإن المقارنات تبدأ فوراً، ليس بين حكومتين فقط، بل بين وعدين: وعد الخلاص وواقع الألم.
أما السؤال الذي يتردد اليوم في المجالس السورية، فهو ما إذا كانت تصريحات حسين الشرع تعكس خلافاً حقيقياً داخل بنية القرار، أم أنها محاولة مدروسة لامتصاص غضب الشارع عبر خلق مسافة رمزية بين الرئاسة والحكومة. لكن، أياً تكن الحقيقة، فإن أثر التصريحات يبقى واحداً: لقد كُسر جدار الصمت، وأصبح النقد يأتي من داخل الحلقة الأقرب للسلطة، لا من خصومها فقط.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالحكومات تسقط سياسياً عندما تفقد قدرتها على إقناع الناس بأن الألم مؤقت وله أفق واضح. أما حين يصبح التقشف أسلوب حكم دائم، ويتحول المواطن إلى مجرد ممول لعجز الدولة، فإن أي حديث عن الاستقرار يصبح وهماً مؤجلاً.
أحمد الشرع يقف اليوم أمام اختبار أخطر بكثير من الشعارات السياسية والاصطفافات الإقليمية. إنه اختبار القدرة على حماية المجتمع من الانهيار المعيشي. وإذا لم تدرك حكومته أن السوري المنهك لم يعد يحتمل المزيد من الصدمات، فإن “لعنة المحروقات” قد تتحول من أزمة اقتصادية إلى بداية تصدع سياسي مبكر، تماماً كما حدث من قبل، حين ظنت السلطة أن الناس يمكن أن تجوع إلى الأبد وتصمت.