
لبنان بين فوضى القرار وحدود القوة… حين يتحول “النصر” إلى عبء سياسي
في المشهد الذي ترسمه الصحافة الإسرائيلية هذه الأيام، لا يبدو أن النقاش يدور حول لبنان وحده، بل حول أزمة أعمق: أزمة القرار السياسي حين يتداخل مع الحسابات العسكرية، ثم يرتدّ كلاهما على صاحبهما في لحظة واحدة.
ما بين مقالات تتهم القيادة العسكرية بالغرق في “مستنقع لبنان”، وأخرى ترى أن الحكومة الإسرائيلية تدفع الجيش إلى حرب بلا أفق، يتكشف خيط مشترك واضح: إسرائيل ليست أمام معركة خارجية فقط، بل أمام اختبار داخلي لحدود القوة ومعنى استخدامها.
في قلب هذا الجدل يظهر اسم بوصفه محوراً سياسياً ضاغطاً، لا مجرد قائد حكومة. فالمأزق، كما تصفه بعض التحليلات، لا يتعلق فقط بلبنان أو غزة أو إيران، بل بطريقة إدارة الحرب نفسها: متى تبدأ؟ وكيف تُسوّق؟ ومتى تتوقف؟ وهل تُدار وفق هدف استراتيجي واضح أم وفق توازنات داخلية وضغوط خارجية متشابكة؟
في المقابل، يُستدعى الدور الأمريكي بوصفه ليس وسيطاً تقليدياً، بل لاعباً يفرض إيقاعه الخاص على الجبهات. وتظهر شخصية في بعض التحليلات كعنصر ضغط مباشر على القرار الإسرائيلي، سواء عبر ملف لبنان أو عبر التفاوض مع إيران، وكأن تل أبيب لم تعد تتحرك في فراغ استراتيجي، بل داخل شبكة إرادات متداخلة.
لكن جوهر الأزمة، كما تعكسه النصوص الإسرائيلية ذاتها، أعمق من خلاف سياسي بين حليفين. إنه سؤال عن جدوى “الإنجاز العسكري” حين لا يتحول إلى مكسب سياسي قابل للتثبيت. فالحرب التي تُخاض بلا أفق سياسي تصبح، مع الوقت، استنزافاً متبادلاً: للجيش، وللمجتمع، وللردع نفسه.
في هذا السياق، لا يعود لبنان مجرد ساحة مواجهة مع حزب الله، بل يصبح مرآة لاختبار مفهوم “الردع” الإسرائيلي بعد عقود من اعتماده كركيزة أساسية في العقيدة الأمنية. فحين تتوسع العمليات، وتتعدد الجبهات، وتتشابك الرسائل بين بيروت وطهران وواشنطن، يتحول الردع من أداة ضبط إلى سؤال مفتوح: هل ما زال يعمل فعلاً، أم أنه يُعاد إنتاجه خطابياً فقط؟
الأخطر في السردية التي تعكسها بعض المقالات هو التحول من نقد العمليات إلى نقد البنية نفسها: الجيش، القيادة، العلاقة بين السياسي والعسكري، وحتى صورة إسرائيل في الخارج. وهنا يصبح “المستنقع اللبناني” توصيفاً مجازياً لحالة أوسع: مستنقع القرار.
لكن في خلفية هذا الجدل، تبرز مفارقة لافتة: كل طرف يتهم الآخر بالتورط في حرب لا يعرف كيف يخرج منها، بينما الواقع يشير إلى أن الجميع أصبح جزءاً من بنيتها. السياسي الذي يضغط للتصعيد يحتاجه في الداخل، والعسكري الذي يحذر من التورط يُطلب منه تحقيق نتائج حاسمة، والحليف الدولي الذي يطالب بالضبط يظل هو نفسه جزءاً من معادلة الضغط.
وهكذا، تتحول الحرب من أداة لتحقيق أهداف سياسية إلى نظام قائم بذاته، يفرض منطقه على من أطلقه أولاً.
في النهاية، ما تكشفه هذه السجالات ليس فقط خلافاً على لبنان، بل اهتزازاً في مفهوم القرار الاستراتيجي ذاته: من يملك المبادرة؟ ومن يحدد سقفها؟ ومن يتحمل كلفتها حين تتجاوز الحسابات الأصلية؟
قد تبدو الإجابة غامضة اليوم، لكن المؤكد أن المنطقة لا تشهد مجرد جولة جديدة من الصراع، بل مرحلة إعادة تعريف لمعنى القوة نفسها: ليس في قدرتها على بدء الحرب، بل في قدرتها على إنهائها دون أن تتحول إلى عبء مفتوح.