
لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحات: هل دخلت المعادلة مرحلة الحسم؟
في كل مرة يظن اللبنانيون أنهم اقتربوا من استعادة إيقاع الدولة، تعود المنطقة لتفرض إيقاعها عليهم. وكأن لبنان لم يُمنح بعد حق العيش كدولة مستقلة القرار، بل ما زال يُستدعى عند كل منعطف ليكون ساحة اختبار للتوازنات الإقليمية، ومكانًا لتبادل الرسائل بين القوى الكبرى واللاعبين المحليين.
الذكرى التي ارتبطت تاريخيًا بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان جاءت هذا العام محمّلة بصورة مختلفة تمامًا. لم تعد المناسبة مجرد استحضار لمحطة وطنية أو لحظة انتصار في الذاكرة الجماعية، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة للأسئلة الصعبة: ماذا بقي من مفهوم التحرير إذا كان الجنوب ما زال يعيش على وقع التهديد؟ وما معنى السيادة إذا كانت القرارات المصيرية تُدار تحت ضغط النار والتجاذب الخارجي؟
في قلب المشهد يبرز التناقض اللبناني القديم المتجدد. هناك من يرى أن استمرار معادلة الردع ضرورة في مواجهة إسرائيل، وأن أي تراجع عنها يفتح الباب أمام فرض وقائع جديدة بالقوة. وفي المقابل، يزداد صوت داخلي يعتبر أن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن تحويل لبنان إلى جزء من صراعات المحاور استنزف الدولة أكثر مما حماها، وأن البلاد دفعت أثمانًا تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
ما يجعل اللحظة الحالية أكثر حساسية أن التطورات لم تعد تُقرأ فقط من زاوية المواجهة اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل من زاوية إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله. فكل تصعيد ميداني يبدو وكأنه مرتبط بمفاوضات تجري في مكان آخر، وبحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. وهنا يتولد القلق: هل بات لبنان ورقة ضغط في ترتيبات أكبر منه؟
التصعيد العسكري الأخير وما رافقه من تهديدات متبادلة أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: من يقرر الحرب ومن يقرر السلم؟ وهل يمكن لدولة أن تستعيد دورها إذا بقيت الخيارات الاستراتيجية موزعة بين المؤسسات الرسمية ومراكز القوة خارجها؟
وفي مقابل خطاب القوة والمواجهة، برز اتجاه سياسي وديني يدعو إلى منح الدولة مساحة أوسع لإدارة الأزمة عبر التفاوض والشرعية الدولية والعمل المؤسساتي. هذا الاتجاه لا يطرح الاستسلام ولا التخلي عن الحقوق، بل ينطلق من فكرة أن حماية المجتمع والدولة لا تقل أهمية عن حماية الأرض، وأن أي معادلة لا تأخذ في الاعتبار كلفة البشر والعمران تصبح موضع مراجعة.
لكن هذا الطرح بدوره يواجه سؤالًا مشروعًا: هل يكفي الرهان على الدبلوماسية وحدها في منطقة لا تزال القوة العسكرية فيها حاضرة بقوة؟ وهل تمتلك الدولة اللبنانية الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسمح لها بفرض رؤيتها؟
الحقيقة أن لبنان يقف اليوم عند مفترق حساس. فالمسألة لم تعد فقط كيفية مواجهة إسرائيل، بل كيف يمكن حماية لبنان نفسه من أن يتحول إلى ساحة دائمة للحروب المؤجلة. وما بين خطاب المقاومة وخطاب الدولة، يقف اللبنانيون أمام تحدٍّ وجودي: البحث عن صيغة تحفظ الكرامة الوطنية دون أن تجعل الوطن نفسه الثمن.
خاتمة – رأي موضوعي:
لا يمكن لأي دولة أن تعيش طويلًا في ظل معادلة تجعل الحرب خيارًا مفتوحًا دائمًا، كما لا يمكنها أن تبني أمنها على الوعود الدولية وحدها. لبنان يحتاج إلى مقاربة جديدة تجمع بين حماية السيادة وحصرية القرار الوطني وبناء قدرة الدولة، مع الحفاظ على حق الدفاع عن الأرض ضمن إطار وطني جامع. فالمعضلة ليست الاختيار بين الكرامة والاستقرار، بل إيجاد الطريق الذي يمنع أن يصبح اللبنانيون في كل مرة وقودًا لصراع لا يملكون قرار بدايته ولا نهايته.