
لحظة ما قبل الانفجار… وهل يمكن أن تتوقف الحرب بين واشنطن وطهران عند الحافة الأخيرة؟
في العلاقات الدولية لا تُقاس خطورة الأزمات بحدة التصريحات فقط، بل بمدى اقترابها من لحظة اللاعودة. كثير من الصراعات الكبرى لا تنفجر دفعة واحدة، بل تتراكم تدريجيًا حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها أي خطأ صغير كفيلًا بإشعال مواجهة واسعة، ثم تتراجع في اللحظة الأخيرة تحت ضغط الكلفة والخوف من الانزلاق.
وفي السياق الراهن، ومع ما يتم تداوله عن تصعيد متبادل وضربات متتالية بين الولايات المتحدة وإيران، بل وحديث عن امتداد هذا التوتر لفترة وصلت إلى أسابيع من الاستهدافات المتبادلة، تبدو المنطقة وكأنها تعيش فعليًا حالة حرب تحت السقف، دون أن تتحول حتى الآن إلى حرب شاملة مفتوحة. هذا النمط من الصراع، أي الحرب المحدودة غير المعلنة، هو من أخطر أشكال المواجهة لأنه يبقي باب التصعيد مفتوحًا وفي الوقت نفسه يؤجل الانفجار الكامل.
وفي هذا المناخ المتوتر، تبرز أيضًا إشارات سياسية تتحدث عن ضغوط أمريكية وطرح شروط يُراد من طهران الالتزام بها خلال مهلة زمنية محددة، مع تحذيرات شديدة اللهجة من عواقب الرفض. ويجري تداول أن هذه المهلة تأتي في إطار موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضمن محاولة لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على التهديد المباشر والضغط السريع، وهو أسلوب معروف في إدارة الأزمات الحادة. دونالد ترامب
لكن حتى في مثل هذه اللحظات المشحونة، يظل التاريخ شاهدًا على حقيقة ثابتة: أن الوصول إلى حافة الحرب لا يعني بالضرورة سقوطها. فالدول، مهما بلغت حدة خطابها، تدرك في النهاية أن الدخول في حرب شاملة ليس قرارًا عاطفيًا، بل حساب معقد للتكلفة والنتائج والارتدادات الإقليمية والدولية.
وهنا يظهر مفهوم اللحظة الأخيرة بوضوح. فكلما اقتربت المواجهة من نقطة الانفجار، تبدأ في المقابل حركة مضادة صامتة: قنوات خلفية، رسائل غير معلنة، وساطات إقليمية أو دولية، ومحاولات لفتح ثغرة في جدار التصعيد قبل انهياره الكامل. هذه الحركة لا تكون مرئية دائمًا، لكنها غالبًا ما تكون الحاسم الحقيقي في منع الحرب.
إن خطورة الوضع بين الولايات المتحدة وإيران لا تكمن فقط في حجم التهديدات المتبادلة، بل في طبيعة البيئة المحيطة به، حيث تتداخل ساحات النفوذ وتتشابك الجبهات غير المباشرة. وهذا ما يجعل أي تصعيد محدود قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع إذا فقدت السيطرة على الإيقاع السياسي والعسكري.
ومع ذلك، فإن بقاء الصراع حتى الآن ضمن حدود الاشتباك غير الشامل يشير إلى أن هناك، رغم كل شيء، حسابات ردع ما زالت تعمل. فالحرب الشاملة، رغم سهولة التهديد بها، تظل خيارًا مكلفًا للغاية، وغالبًا ما يتم تفاديه في اللحظات الحاسمة حتى بعد الاقتراب الشديد من حافته.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التصعيد ممكنًا، بل ما إذا كانت الأطراف ستصل إلى تلك الدقيقة الأخيرة التي تتفوق فيها الحسابات الباردة على منطق الانفجار. ففي السياسة الدولية كثيرًا ما تُحسم أكبر الأزمات ليس في بدايتها، بل في لحظتها الأخيرة، عندما يصبح قرار واحد كافيًا لتغيير مسار التاريخ أو إيقافه قبل السقوط في الهاوية.