
لسنا في خندق أحد… عندما تتحول الشعارات إلى أدوات صراع:
طرح السيد لاريجاني سؤالاً يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في جوهره يكشف طبيعة الخطاب السياسي الذي اعتادت بعض القوى في المنطقة توظيفه. فقد سأل: في المواجهة بين أمريكا والكيان من جهة، وإيران المسلمة وقوى المقاومة من جهة أخرى، في أي جانب تقفون؟
الجواب، من منظور عربي مستقل، واضح: نحن لا نقف مع أيٍّ منكم.
فالأطراف الثلاثة لم يختلفوا في جوهر السياسات بقدر ما اختلفوا حين تباينت المصالح وتضاربت مناطق النفوذ. أما حين التقت المصالح، فقد شهدت المنطقة مراحل طويلة من التفاهمات الضمنية والمباشرة التي جرت غالباً على حساب شعوبها واستقرارها ومستقبلها.
إن الصراع في منطقتنا لم يكن يوماً صراعاً أخلاقياً بين معسكر خير ومعسكر شر، كما يُراد له أن يُصوَّر في بعض الخطابات التعبوية، بل كان في كثير من مراحله صراع مصالح ونفوذ وهيمنة. ولولا التحالف الإمبريالي الذي تشكّل عبر عقود طويلة، والذي شاركت فيه قوى كبرى لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة العربية، وفي مقدمتها مصادر الطاقة وخطوط التجارة والممرات البحرية الحيوية، لما تشكّل كثير من الواقع السياسي الذي نعيشه اليوم.
في هذا السياق التاريخي المعقد ظهرت مشاريع إقليمية متعددة، بعضها رفع شعارات قومية، وبعضها رفع شعارات دينية، لكنها في نهاية المطاف انخرطت جميعها في لعبة النفوذ ذاتها.
ومن هنا يصبح من الضروري التوقف عند استخدام الدين في الخطاب السياسي. فالدين في وجدان الشعوب ليس مجرد شعار يُرفع في لحظة تعبئة، ولا أداة تُستخدم لاستقطاب العواطف أو توجيه الجماهير. إن تحويل الدين إلى أداة في صراع جيوسياسي لا يؤدي إلا إلى تشويه قيمه وإضعاف رسالته الأخلاقية والإنسانية.
لقد دفعت المنطقة العربية ثمناً باهظاً نتيجة توظيف المقدس في معارك السياسة. فحين تختلط العقيدة بالمشروع السياسي، يصبح من السهل تعبئة الجماهير، لكن يصبح من الصعب أيضاً مساءلة السلطة أو نقد السياسات، لأن أي نقد قد يُقدَّم على أنه طعن في الدين ذاته.
إن الشعوب العربية اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قدر أكبر من الصدق السياسي والوضوح التاريخي. وهي تدرك أن استقلال القرار العربي لا يمكن أن يتحقق بالارتهان لهذا المحور أو ذاك، بل ببناء موقف مستقل يستند إلى مصالح الأمة وأمنها واستقرارها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: مع من نقف؟
بل: كيف نقف أولاً مع أنفسنا، ومع مصالح شعوبنا، ومع حق منطقتنا في أن تكون ساحة استقرار وتعاون لا ساحة صراع دائم بين المشاريع المتنافسة.
فالتاريخ علّمنا أن الشعارات قد تتغير، لكن المصالح تبقى هي المحرك الحقيقي للسياسات. ومن الحكمة أن نقرأ الواقع بعقولنا لا بعواطفنا، وأن نميز بين الدين كقيمة روحية جامعة، وبين استخدامه كأداة في صراع النفوذ بين الدول.