
مضيق هرمز بين القانون الدولي ومنطق القوة: هل تملك إيران حق التحكم؟:
حين يُطرح موضوع مضيق هرمز في سياق التوترات السياسية، كثيراً ما تختلط المفاهيم القانونية بالخطاب السياسي، وتضيع الحقيقة بين الادعاء والواقع. لذلك، فإن أي نقاش جاد حول هذه المسألة يجب أن ينطلق من قواعد القانون الدولي للبحار، لا من موازين القوة أو الرغبات السيادية.
أول ما يجب توضيحه هو أن مضيق هرمز يُصنّف قانونياً كمضيق دولي طبيعي، يربط بين جزأين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، وهما الخليج العربي وبحر عُمان. ووفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، فإن مثل هذه المضائق تخضع لنظام خاص يُعرف بـ"حق المرور العابر" (Transit Passage)، وهو حق أوسع من مجرد المرور البريء، إذ يضمن حرية الملاحة المستمرة والسريعة للسفن والطائرات دون عوائق.
هذا المبدأ منصوص عليه بوضوح في المواد (37-44) من الاتفاقية، التي تؤكد أن الدول المشاطئة للمضائق الدولية لا تملك تعطيل أو عرقلة هذا المرور، ولا فرض شروط تعسفية عليه. دور هذه الدول يقتصر على تنظيم الملاحة بما يضمن السلامة البيئية والبحرية، وليس التحكم في حركة التجارة العالمية أو استخدامها كورقة ضغط سياسي.
من هنا، يتضح أن القول بأن مضيق هرمز "لا ينطبق عليه مفهوم المياه الإقليمية" يحتاج إلى تدقيق قانوني. فالمضيق بالفعل يمر ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان، لكن هذا لا يمنح أيّاً منهما سيادة مطلقة على الملاحة فيه. السيادة هنا مقيدة بنظام قانوني دولي خاص يعلو على القوانين الوطنية، ويضمن حرية العبور لجميع الدول.
أما من الناحية الجغرافية، فصحيح أن إيران لا تحيط بالمضيق من جميع الجهات، إذ تشترك مع سلطنة عُمان في الإشراف عليه، ما يعزز طبيعته الدولية ويضعف أي ادعاء بالسيطرة المنفردة. هذه الطبيعة المشتركة هي التي دفعت القانون الدولي إلى التعامل مع المضائق كـ"شرايين عالمية" لا يجوز إخضاعها لإرادة دولة واحدة.
فيما يتعلق بفرض الرسوم، يميز القانون الدولي بوضوح بين حالتين:
الأولى، ممرات مائية اصطناعية مثل قناة السويس، حيث يحق للدولة المالكة فرض رسوم مقابل خدمات الصيانة والتشغيل.
والثانية، المضائق الطبيعية الدولية، حيث لا يجوز فرض رسوم على مجرد المرور العابر، إلا إذا كانت مقابل خدمات فعلية ومحددة (مثل الإرشاد الملاحي أو الإنقاذ)، وبشرط أن تكون غير تمييزية ومعلنة.
وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض رسوم لمجرد العبور، دون تقديم خدمة حقيقية، تُعد مخالفة صريحة لمبادئ حرية الملاحة. بل إن تحويل هذه الرسوم إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي يقترب، من الناحية القانونية، من مفهوم "الإتاوات" غير المشروعة، وهو ما يتعارض مع روح ونصوص القانون الدولي.
الأخطر من ذلك أن تعطيل الملاحة أو التهديد بإغلاق المضيق لا يُعد مجرد خرق قانوني، بل قد يُصنّف كعمل يهدد السلم والأمن الدوليين، خاصة أن مضيق هرمز يُعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وهنا ينتقل الأمر من نزاع قانوني إلى قضية دولية قد تستدعي تدخلاً من مجلس الأمن.
خلاصة القول، إن مضيق هرمز ليس ملكاً لدولة، بل ممر دولي تحكمه قواعد واضحة. نعم، لإيران حقوق سيادية ضمن مياهها الإقليمية، لكن هذه الحقوق مقيدة بالتزامات دولية صارمة تضمن حرية الملاحة. وأي خروج عن هذا الإطار لا يمكن تبريره قانونياً، بل يُفهم في سياق استخدام الجغرافيا كأداة ضغط، وهو مسار محفوف بالمخاطر.
في عالم تحكمه القوانين قبل القوة—أو هكذا يُفترض—تبقى حرية الملاحة خطاً أحمر. ومضيق هرمز، بحكم موقعه وأهميته، هو اختبار حقيقي لمدى احترام هذا المبدأ.