
مضيق هرمز… حين تصبح الجغرافيا سلاحاً:
في الحروب الحديثة لا تحسم القوة العسكرية وحدها النتائج، بل كثيراً ما تفعل الجغرافيا ما تعجز عنه الترسانات الضخمة. وفي الخليج تحديداً، تبدو الجغرافيا وكأنها تقف في صف إيران أكثر مما تقف في صف خصومها. فمضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة هائلة من تجارة النفط العالمية، ليس مجرد ممر مائي؛ إنه عنق زجاجة ضيق يمكن أن يتحول في لحظة إلى ساحة اشتباك تختل فيها موازين القوة التقليدية.
الممرات الملاحية في المضيق ضيقة إلى حد يجعل السفن الضخمة تسير في خطوط محددة أشبه بممرات إجبارية. في مثل هذا المكان، تفقد الأساطيل البحرية الكبيرة كثيراً من ميزتها. فالسفن التي اعتادت المناورة في البحار المفتوحة تصبح أهدافاً واضحة، خصوصاً عندما ترافق ناقلات النفط في مسارات معروفة مسبقاً. وفي ظل انتشار الطائرات المسيرة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية، تتحول هذه القوافل البحرية إلى أهداف سهلة نسبياً لقوة تعرف جغرافية المنطقة شبراً شبراً.
هنا تحديداً تكمن المفارقة. فالتفوق التكنولوجي والعسكري الأميركي، الذي يبدو حاسماً على الورق، يتقلص أثره عندما يُختزل الصراع في ممر مائي ضيق تحيط به سواحل طويلة وقواعد إطلاق قريبة. إيران لا تحتاج في مثل هذا السيناريو إلى مواجهة الأساطيل الأميركية في معركة تقليدية. يكفيها أن تجعل المرور عبر المضيق مكلفاً وخطراً، وأن تزرع الشك في أمن الملاحة، حتى يتحول الضغط الاقتصادي والسياسي إلى عامل استنزاف مستمر.
من هذا المنظور، تبدو سياسة التصعيد وكأنها فخ استراتيجي أكثر منها خطة مدروسة. فالإصرار على استعراض القوة في بيئة جغرافية تمنح الخصم أدوات فعالة للمضايقة والإنهاك قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من ردع إيران، قد يتحول المشهد إلى سلسلة من الحوادث الصغيرة والمتكررة التي ترفع مستوى التوتر وتزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع لا يرغب فيها أحد.
السياسة الأميركية في هذا السياق بدت أحياناً وكأنها تراهن على الضغط الأقصى دون حساب كافٍ لتعقيدات المكان. لكن الجغرافيا، كما يعلم التاريخ، لا تخضع للشعارات ولا للخطاب السياسي. هي عامل ثابت يفرض منطقه على الاستراتيجيات العسكرية. ومضيق هرمز مثال صارخ على ذلك: مساحة ضيقة يمكن لقوة إقليمية أن تحولها إلى ساحة استنزاف لقوة عظمى.
إن الإصرار على دفع الأمور نحو مواجهة في هذه المنطقة الحساسة لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سريع أو حاسم. على العكس، قد يفتح الباب أمام صراع طويل منخفض الحدة لكنه عالي الكلفة، تتضرر منه أسواق الطاقة العالمية، وتدفع ثمنه الاقتصادات قبل الجيوش.
في النهاية، قد تكون الحقيقة الأهم أن الجغرافيا في الخليج ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي لاعب أساسي فيها. ومن يتجاهل هذا اللاعب يخاطر بأن يجد نفسه يقاتل في ساحة اختارها خصمه بعناية. وفي مضيق هرمز تحديداً، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.