--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

مدنٌ تشيَّدت بالإسمنت… وتهدمت من الداخل

Salah Kirata • ١٥‏/٥‏/٢٠٢٦

33856.png

مدنٌ تشيَّدت بالإسمنت… وتهدمت من الداخل 

ليست المأساة السورية في الخراب وحده، فالخراب قد يصيب مدينة ثم تنهض، المأساة الحقيقية أن القبح تحوّل مع الزمن إلى نمط حياة، إلى ذائقة عامة، إلى شيء اعتاده الناس حتى كفّوا عن رؤيته، لم تكن المشكلة في الأبنية العشوائية التي زحفت كالأمراض على أطراف المدن، ولا في الشوارع المكتظة بالغبار والأسلاك والوجوه المتعبة، بل في ذلك الشعور الثقيل بأن الروح نفسها صارت تسكن مكاناً لا يشبه الحياة.

في سورية، لم يُبنَ العمران ليكون امتداداً للإنسان، بل ليكون شاهداً على فقره وعجزه وخوفه، أحياء كاملة وُلدت بلا روح، كأنها أقيمت على عجل لإيواء الناجين من كارثة لا تنتهي... الإسمنت هنا لا يحمل معنى الجمال ولا النظام ولا الراحة؛ إنه مجرد مادة صلبة تخفي تحتها هشاشة البشر، الجدران متلاصقة كما لو أن المدينة تخشى الفراغ، والنوافذ ضيقة كأن الضوء نفسه صار ترفاً سياسياً...

لكن الأبنية ليست سوى مرآة لما هو أعمق، فحين يفسد المجال العام، يفسد معه شكل المدينة وملامح الناس ولغتهم وحتى طريقة سيرهم في الطرقات، السوري الذي كان يوماً صاحب نكتة وحيوية وميل فطري للحياة، صار يمشي وكأنه يعتذر من الهواء لأنه ما زال على قيد التنفس... عقود القمع الطويلة لم تكتفِ بإسكات الأصوات، بل أعادت تشكيل البشر من الداخل؛ جعلت الحذر غريزة، والانكسار أسلوب نجاة، والخوف جزءاً من الملامح اليومية...
وفي هذا السياق درجت عدة مقولات مقولة وجاهزة صارت عنواني بسلوكيات عامة ومنها :
- لا تحكي يا إنسان الحيطان لها آذان ...
- نسير الحيط الحيط ونقول ياربي الستر...
- اللهم حوالينا لا علينا...

في المدن السورية اليوم، لا ترى الفقر فقط، بل ترى الإهانة وقد تحولت إلى تفصيل اعتيادي، موظف ينتظر راتباً لا يكفي أسبوعاً، أب يشيح بعينيه عن رغبات أطفاله لأنه يعرف مسبقاً أنه عاجز، شاب يحمل شهادة جامعية ثم يقف ساعات في طابور هجرة أو خبز أو وقود. كل شيء يدفع الإنسان إلى الانحناء قليلاً: الدولة، السوق، الحرب، وحتى الزمن...

لقد أنتجت السلطات، عبر عقود، نموذجاً مثالياً للمدينة الخائفة: مدينة بلا حدائق حقيقية، بلا أرصفة للمشي، بلا مكتبات، بلا مساحات فرح، وبلا مواطن يشعر أن له حقاً في المكان... الإنسان الذي يُحرم من الكرامة طويلاً، يفقد بالتدريج حساسيته تجاه الجمال، ولذلك لم يعد السوري يسأل لماذا تبدو مدنه مكتئبة؛ لأنه هو نفسه أُرهق حتى لم يعد يملك رفاهية السؤال...

والأنكى من كل هذا أن الحرب لم تكن بداية التشوه، بل كانت ذروته فقط، فقبل الدمار العسكري، كان هناك دمار بطيء يصيب الذوق والوعي والعلاقة بين الإنسان ومحيطه، وحين تفقد البلاد احترامها للإنسان، تصبح العمارة قبيحة، والمدارس قبيحة، واللغة قبيحة، وحتى الصمت نفسه يبدو مهزوماً...

لم تكن سورية فقيرة يوما بالجمال، فهذه البلاد التي أنجبت دمشق وحلب وتدمر وأوغاريت تعرف جيداً معنى الحضارة، لكن ما حدث هو أن السلطة الطويلة، حين تتحول إلى خوف دائم، تنتج شعباً يعيش بعينين مطفأتين، وحين تنطفئ العيون، تصبح المدن مجرد أكوام حجر، ويصبح الوطن مكاناً يستهلك سكانه ببطء، لا مكاناً يحميهم...

لهذا فإن إعادة إعمار سورية لا تبدأ بإزالة الركام فقط، بل بإعادة بناء الإنسان الذي أُجبر طويلاً على العيش مطأطئ الرأس، خائفاً من صوته، ومن ظله، ومن أحلامه الصغيرة. لأن المدن الجميلة لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى أولاً بكرامة البشر.