
مليون فرصة عمل ممكنة في سورية، خارطة طريق صناعية بتدخل ذكي وكلفة محدودة، فهل من مستمع ؟.
يُثار كثيرًا سؤال عن البطالة في سورية وكأنه لغز بلا حل، بينما تكمن المفارقة في أن الموارد موجودة لكن تُهدر في مسارات قصيرة النفس، فتدفّقات الأموال من السوريين في الخارج تُحرّك عجلة التجارة الصغيرة بسرعة، ثم تتوقف فجأة عند أول هزّة في الطلب المحلي، وتكون النتيجة، محال تفتح وتُغلق، ودورة استنزاف لا تُراكم خبرة ولا تُنتج قيمة مضافة...
الا ان المشكلة ليست في روح المبادرة لدى الأفراد، بل في توجيهها، فعندما تُحاصر خيارات الاستثمار في ( محل قهوة ) أو ( بقالية ) يصبح التنافس قاتلًا والربحية مؤقتة، لأن المطلوب هو نقل البوصلة من تجارة التجزئة السريعة إلى التصنيع المنظّم القادر على خلق وظائف مستقرة وربط السوق المحلي بسلاسل توريد عالمية...
فتجارب بلدان خرجت من الفقر إلى الصناعة تُثبت أن القفزات الكبرى تبدأ من مصانع صغيرة ومتوسطة تنتشر جغرافيًا وتتكامل وظيفيًا، ففي شرق آسيا مثلًا، نجحت دول كـ ( كوريا الجنوبية واليابان ) حين حوّلت رأس المال المحدود إلى بنية إنتاجية واسعة النطاق، عبر استيراد خطوط إنتاج جاهزة، وتدريب عمّال محليين، وربط المنتج بالأسواق الخارجية بدل الاكتفاء بالطلب الداخلي الهش...
في الحالة السورية، يمكن تبنّي مقاربة مشابهة لكن مُكيّفة مع الواقع، مثل هيئة عامة رشيقة تُنسّق استيراد خطوط تصنيع معيارية، وتؤمّن حواضن تشغيل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتضع مواصفات جودة موحّدة تفتح أبواب التصدير، هذه الهيئة لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي بقدر ما تحتاج إلى صلاحيات واضحة، ومشتريات مركزية ذكية، وشراكات تدريب مع خبراء تقنيين...
سلة المنتجات الممكن تصنيعها واسعة مثل أحذية رياضية، ألعاب بسيطة، أدوات مطبخ، قطع بلاستيكية، مستلزمات كهربائية خفيفة، وصولًا إلى أجهزة منزلية أساسية وبعض المستحضرات الدوائية غير المعقّدة تقنيًا، والقيمة هنا ليست في منتج واحد، بل في شبكة مصانع متوسطة الحجم تتقاسم المعرفة واللوجستيات وتخلق طلبًا مستدامًا على الأيدي العاملة...
اقتصاديًا، الصورة واعدة إذا أُحسن التنظيم، من خلال تخصيص موارد محدودة لتجهيز آلاف الوحدات الإنتاجية الصغيرة يمكن أن يحوّل مليارات الدولارات التي كانت تتبخّر في تجارة قصيرة الأجل إلى أصول مُنتِجة، فكل وحدة تصنيع تُشغّل عشرات العاملين، ومع التوسع الشبكي يصبح الأثر تراكميًا بدءا من وظائف مباشرة، وسلاسل توريد محلية، وخدمات مساندة، ثم عائدات تصدير تُعيد تدوير الاستثمار...
التحدي الحقيقي إداري قبل أن يكون ماليًا، مثل تبسيط التراخيص، ضمان وصول الكهرباء والمواد الأولية، تسهيل الشحن والتصدير، وبناء ثقة المستثمر الصغير بأن هناك جهة رسمية تحمي القواعد وتُقلّل المخاطر. حين تتوافر هذه الشروط، يتحوّل “الاستثمار الصغير” من مغامرة فردية إلى لبنة في مشروع وطني واسع...
باختصار:
إن خلق مليون فرصة عمل ليس حلمًا إنشائيًا؛ بل هو نتيجة محتملة لقرار تنظيمي ذكي ينقل طاقة السوريين من منافسة محلية مُنهِكة إلى إنتاج موجّه للأسواق، فحين تُدار الصناعة بعقلية الشبكات والحواضن والتصدير، تتحول الدولارات المتفرّقة إلى مصانع، وتتحول المصانع إلى وظائف، وتتحول الوظائف إلى أمل اقتصادي قابل للاستدامة.