
من 242 إلى الجولان… حين تتحول الشرعية الدولية من إطار للحل إلى أداة لإدارة الصراع
في كل مرة يعود فيها الحديث عن ترتيبات أمنية في الجنوب السوري، يتجدد السؤال القديم: هل نحن أمام مسار حل، أم مجرد إعادة إنتاج لإدارة الصراع؟
السؤال يكتسب اليوم حساسية مضاعفة مع ما يُقال عن مساعٍ أمريكية لدفع اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل، في ظل واقع ميداني تغيّر بفعل التوسع الإسرائيلي في و ومحيط . لكن لفهم ما يجري، لا بد من العودة إلى الخيط الناظم: من إلى وصولًا إلى .
الشرعية التي وُلدت ناقصة: 242
شكّل القرار 242، الصادر عقب حرب 1967، الأساس النظري لأي تسوية في المنطقة. جوهره بسيط في صياغته، عميق في تداعياته:
انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة مقابل الاعتراف والأمن.
لكن هذا القرار، رغم أهميته، ترك ثغرة قاتلة: غموض في الصياغة، وغياب آليات تنفيذ. وهكذا تحوّل من خريطة طريق إلى نص مفتوح على التأويل، تُعيد كل جهة قراءته وفق مصالحها.
338: تفعيل أم التفاف؟
جاء القرار 338 في خضم حرب تشرين 1973، ليُعيد إحياء 242 لا ليُصحح عيوبه. فقد دعا إلى وقف إطلاق النار، والأهم إلى تنفيذ 242 عبر مفاوضات.
هنا نشأ التحول المفصلي:
بدل أن يكون 338 أداة لتنفيذ الانسحاب، أصبح مدخلًا لمسار تفاوضي طويل، حيث يمكن تأجيل جوهر 242 مقابل إدارة التوتر.
بمعنى أدق، انتقل الصراع من معادلة “الأرض مقابل السلام” إلى معادلة “الأمن مقابل التفاوض”.
1974: اتفاق بلا نهاية
في هذا السياق، جاءت اتفاقية فصل القوات عام 1974، لا كحل، بل كترجمة ميدانية مؤقتة لقرار 338.
نصّت على:
- وقف إطلاق النار وتثبيت خطوط التماس
- انسحاب إسرائيلي جزئي من مناطق تقدمت إليها
- إنشاء منطقة عازلة بإشراف دولي
- فرض قيود على الانتشار العسكري للطرفين
لكن جوهر الاتفاق لم يكن سياسيًا، بل تقنيًا:
منع الحرب… دون إنهاء أسبابها.
وهكذا تحوّل الاتفاق إلى حالة دائمة، رغم أنه صُمم كإجراء مؤقت. نصف قرن من الهدوء الحذر، دون سلام، ودون استعادة الأرض.
الواقع الجديد: الجغرافيا تتقدم على القانون
اليوم، ومع التوسع الإسرائيلي في الجنوب السوري، لم يعد اتفاق 1974 مجرد مرجعية، بل ساحة صراع بحد ذاته.
ما جرى في القنيطرة ودرعا وجبل الشيخ لا يمثل فقط تحركًا عسكريًا، بل إعادة رسم لوقائع ميدانية قد تتحول—إن تُركت—إلى مرجعية تفاوضية جديدة.
وهنا تكمن الخطورة:
حين تصبح الجغرافيا المنتزعة بالقوة أساسًا للتفاوض، لا موضوعًا له.
المسعى الأمريكي: إحياء الاتفاق أم دفنه بصيغة جديدة؟
في ضوء ذلك، تأتي الأحاديث عن اتفاق أمني برعاية أمريكية.
لكن السؤال ليس: هل سيُوقّع اتفاق؟
بل: أي اتفاق؟
هناك احتمالان لا ثالث لهما:
الأول: العودة إلى اتفاق 1974 كمرجعية، أي الانسحاب إلى خطوط الفصل الأصلية وإعادة تفعيل المنطقة العازلة.
وهذا هو المنطق الذي تتمسك به سورية: الشرعية الدولية أولًا، ثم أي ترتيبات لاحقة.
الثاني: تطوير الاتفاق إلى صيغة جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الوقائع الحالية، بما فيها التوسع الإسرائيلي.
وهنا يتحول الاتفاق من أداة لضبط الصراع إلى وسيلة لإعادة تعريفه، وربما تثبيت نتائجه.
المفارقة الكبرى: انقلاب التسلسل
نظريًا، المسار واضح:
242 → يحدد المبدأ (الانسحاب)
338 → يفرض التنفيذ (عبر التفاوض)
1974 → يطبق جزئيًا على الأرض
لكن عمليًا، ما حدث هو العكس:
1974 → أصبح حالة دائمة
338 → تحوّل إلى غطاء للتفاوض المفتوح
242 → تم تهميشه بوصفه مطلبًا مؤجلًا
أي أن الوسيلة ابتلعت الغاية، والمؤقت أصبح دائمًا، والجزئي حلّ محل الشامل.
خاتمة: الصراع على المرجعية لا يقل عن الصراع على الأرض
ما يجري اليوم ليس مجرد تفاوض على ترتيبات أمنية، بل صراع عميق على سؤال أخطر:
ما هي نقطة البداية؟
هل هي نصوص الشرعية الدولية كما صيغت بعد 1967 و1973؟
أم الوقائع التي فرضتها القوة لاحقًا؟
بين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الجولان، بل وربما طبيعة الصراع كله.
فإما أن تعود السياسة إلى القانون، أو يُعاد تعريف القانون على مقاس السياسة.
وفي الشرق الأوسط، كما أثبتت العقود الماضية، الفارق بين الحالتين ليس نظريًا… بل هو الفارق بين استعادة الأرض، وتثبيت فقدانها.