
من الاختلاف إلى العنف… حين تُدهس الفكرة بالأقدام ويُلغى الإنسان من أجل رأي:
لا يمكن تبرير ما رأيته بأي ظرف أو اختلاف، ولا يمكن لعقلٍ سليم أن يقبل أن يتحول الخلاف الفكري إلى ساحة انتقام تُكسر فيها العظام وتُدهس فيها الكرامة. ما جرى ليس “رأيًا آخر” ولا “انفعال لحظة”، بل انحدار خطير نحو عنفٍ بدائي يُلغي معنى الدولة والمجتمع معًا.
حين يتحول الاختلاف إلى دهس… من يحمي الإنسان من الإنسان؟
ما حذّرت منه فجراً حدث ظهراً، وكأن الزمن لم يعد يحتاج إلى كثير من الفواصل بين الفكرة ونتيجتها. الإخوة الذين يفترض أن يجمعهم وطن واحد، وذاكرة واحدة، ومصير واحد، وجدوا أنفسهم في لحظةٍ عمياء يختصرون الخلاف الفكري بأسلوب الشارع: جسد مقابل جسد، وعدد مقابل فرد، وأرجل لا تعرف سوى لغة الإيذاء.
المشهد الذي تصفه ليس مجرد شجار عابر. خمسة أشخاص يتدافعون على فرد واحد، ينهالون عليه بالركل، وكأن الهدف لم يعد إسكاته بل تحطيمه. هنا لا يعود الخلاف حول فكرة أو ثقافة، بل يتحول الإنسان نفسه إلى “هدف مشروع” للطمس والإلغاء. وهذه أخطر مراحل انهيار المجتمع: عندما يُصبح الاختلاف سببًا لإلغاء الجسد قبل الرأي.
أي مجتمع هذا الذي يسمح بأن تُحلّ المسائل الفكرية بالنعال؟ وأي وعي هذا الذي يقفز فوق العقل ليهبط إلى الغريزة؟ ليست المشكلة في وجود اختلافات، فهي سنة الحياة. المشكلة حين يفقد الناس القدرة على إدارة اختلافاتهم إلا عبر العنف، وحين يُختزل الإنسان إلى مجرد “خصم يجب سحقه”.
إن ما يبعث على القلق ليس الحادثة وحدها، بل ما يكشفه من هشاشة في ثقافة الحوار، ومن غياب واضح لقواعد الردع الأخلاقي والاجتماعي. فالمجتمع الذي لا يضع حدودًا صارمة للعنف، يتحول تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الصغيرة والكبيرة، حتى يصبح كل خلاف قابلًا للانفجار.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي.
ما البدائل؟
إذا أردنا ألا يتكرر هذا المشهد، فلا بد من إعادة بناء ثلاث دوائر أساسية:
أولًا: إعادة الاعتبار لحرمة الجسد الإنساني.
لا خلاف سياسي أو ثقافي يبرر ضرب إنسان أو إذلاله. يجب أن تعود هذه الفكرة بوضوح إلى الوعي العام، عبر التعليم والخطاب الديني والإعلامي والقانوني.
ثانيًا: ثقافة الخلاف لا ثقافة الإلغاء.
نحتاج إلى تحويل الاختلاف من “معركة” إلى “نقاش”، ومن “خصومة شخصية” إلى “تعدد طبيعي”. الكلمة يجب أن تكون بديلاً عن اليد، والحجة بديلاً عن الركل.
ثالثًا: دولة القانون كحَكَم لا كمتفرج.
أي اعتداء جسدي، مهما كان سببه، يجب أن يواجه بردع واضح وسريع، لأن التساهل مع العنف الصغير هو الطريق المباشر للعنف الكبير.
ما حدث ليس مجرد حادثة شارع، بل إنذار اجتماعي قاسٍ: نحن أمام مفترق بين مجتمعٍ يتعلم كيف يختلف، ومجتمعٍ يعود فيه الإنسان إلى غريزة القطيع.
وفي النهاية، لا تُقاس الأمم بعدد خلافاتها، بل بكيفية إدارتها لها. لأن الفرق بين مجتمع حيّ وآخر متآكل، هو أن الأول يختلف بالكلام… والثاني يختلف بالأقدام.