
من الانتقال إلى الشرعية:
حين يتحول الزمن السياسي إلى مشروع دولة لا إلى فرصة حكم؟!.
في السياسة، ليست الفكرة الأهم هي من يحكم، بل كيف يُدار الزمن بين لحظة الانهيار ولحظة الاستقرار، وفي الدول التي خرجت من أزمات طويلة أو نزاعات قاسية، يصبح “المرحلة الانتقالية” أخطر من النظام ذاته، لأنها اللحظة التي تتحدد فيها اتجاهات الدولة: هل تتجه نحو ترسيخ المؤسسات أم نحو إعادة إنتاج السلطة بثوب جديد؟..
لو وُضعّنا أمام سيناريو افتراضي يكون فيه الرئيس (أحمد الشرع) أو من يحيط به في موقع القرار، فإن اللحظة الحاسمة ليست في إدارة السلطة بقدر ما هي في “تفكيك إغراءها”، وهنا تحديدًا تتجلى الفكرة الجوهرية وهي : ( تحويل الانتقال من مساحة مفتوحة للتأويل السياسي إلى تعاقد واضح، محدود الزمن، ومحصّن بالالتزام الأخلاقي والمؤسسي)...
أول ما يرسّخ الثقة في أي مرحلة انتقالية هو تقليص الغموض الزمني، بمعنى حين يُعلن تقليص الفترة الانتقالية من خمس سنوات إلى ثلاث، لا يكون ذلك مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية مزدوجة:
- من جهة طمأنة المجتمع بأن الاستثناء لن يتحول إلى قاعدة...
- ومن جهة أخرى طمأنة الداخل والخارج بأن الهدف ليس إعادة إنتاج سلطة انتقالية طويلة، بل الوصول إلى دولة مستقرة في أسرع إطار مؤسسي ممكن...
لكن تقليص الزمن وحده لا يكفي، لأن المعيار الحقيقي لأي انتقال ناجح هو الدستور، والدستور هنا ليس نصًا يُكتب تحت ضغط اللحظة، بل عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، من خلال الاستفادة من تجارب الدساتير الديمقراطية الراسخة وهذا لا يعني النسخ، بل استلهام المبادئ :
- فصل السلطات...
- سيادة القانون...
- حماية الحقوق، وتكريس مفهوم المواطنة باعتباره الهوية العليا...
علما انه وفي الحالة السورية تحديدًا، تصبح الخصوصية الوطنية جزءًا من المعادلة لا عذرًا لتعطيلها، فالدولة المدنية لا تلغي التاريخ، لكنها تمنع التاريخ من أن يتحول إلى أداة إقصاء...
أما النقطة الأكثر حساسية فهي إعلان عدم الترشح من قبل السلطة الانتقالية نفسها، هنا يتجاوز الأمر السياسة إلى الأخلاق السياسية، حين تعلن القيادة الحالية، ومعها الفريق الحاكم، أنها لن تدخل في أي منافسة انتخابية بعد انتهاء الفترة الانتقالية، وهي بذا تفصل بين “إدارة الدولة” و”الطموح السياسي”، هذا الفصل هو ما يمنح الانتخابات معناها الحقيقي لاحقًا، لأنه يزيل الشك الجوهري:
( أن السلطة تستخدم المرحلة الانتقالية لتثبيت موقعها المستقبلي)...
إن ضمان انتخابات نزيهة لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يبدأ من لحظة إعلان الحياد المستقبلي للسلطة القائمة، كون المشكلة في التجارب الانتقالية غالبًا ليست في صناديق الاقتراع، بل في هندسة الظروف التي تسبقها...
ثم تأتي الفكرة الأكثر عمقًا:
تسليم السلطة بعد ذلك إلى من يختاره الشعب بحرية كاملة، دون وصاية أو ضغط أو إعادة تدوير للنفوذ، هنا تتحول الدولة من “ملكية مرحلة” إلى “نظام مستدام”، ومن إدارة ظرف استثنائي إلى تأسيس شرعية دائمة...
وفي المقابل، يمكن فتح باب المشاركة السياسية لاحقًا لكل من شارك في مراحل حساسة أو مفصلية، لكن ضمن قاعدة زمنية واضحة تفصل بين “فترة التأسيس” و”فترة التنافس”، فالمشاركة بعد خمس سنوات من تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع تخلق توازنًا بين الاعتراف بالخبرة السياسية وبين منع تحويل تلك الخبرة إلى امتداد تلقائي للنفوذ...
لذا فإن المعنى الأعمق لكل ذلك هو محاولة إغلاق الباب أمام أخطر ما يهدد الانتقال السياسي وهو:
تداخل السلطة بالشرعية الشخصية، فالدول لا تُبنى حين ينتصر طرف، بل حين يصبح الانتقال نفسه جزءًا من النظام، لا استثناء عليه...
في النهاية:
ليست قوة أي قائد في طول بقائه، بل في قدرته على تحويل وجوده إلى مرحلة تُمهّد لغيابه المنظم، فالتاريخ لا يخلّد من يمسك بالسلطة أطول، بل من يضع لها نهاية واضحة، عادلة، وقابلة للتكرار...
وهنا فقط:
( يتحول الانتقال من إدارة أزمة إلى تأسيس دولة).