
من “الحِكمة” إلى “الإحكام”… أزمة السلطة في العالم العربي بين الدولة والقبضة
حين نتأمل نمط الحكم في كثير من الدول العربية، بصرف النظر عن شكل النظام أو لقب الحاكم—ملكًا كان أو سلطانًا أو رئيسًا أو أميرًا—نجد خيطًا متكررًا يكاد ينسج المشهد السياسي كله: انتقال الحكم من فكرة “الحِكمة” بوصفها إدارة رشيدة لشؤون المجتمع، إلى “الحُكم” بوصفه تنظيمًا للدولة، وصولًا في حالات كثيرة إلى “الإِحْكَام” بمعنى تشديد القبضة وإغلاق المجال العام بإحكام شديد على السياسة والمجتمع معًا.
هذا التحول ليس لغويًا فقط، بل هو توصيف دقيق لمسار طويل من تشكّل السلطة في المنطقة، حيث تصبح الدولة في كثير من الأحيان جهاز ضبط أكثر منها إطارًا جامعًا للتعاقد الاجتماعي. في هذا السياق، لا يُنظر إلى المجتمع بوصفه شريكًا في صناعة القرار، بل بوصفه موضوعًا للإدارة والاحتواء والضبط، لا الفعل والمشاركة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يعود هذا النمط إلى طبيعة الشعوب نفسها؟ أم إلى عقيدة أو ثقافة سياسية “عصية على الحكم” كما يُقال أحيانًا؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؟
الاختزال الذي يُرجع الأزمة إلى “الشعوب” هو تفسير مريح لكنه غير دقيق. فالشعوب ليست كائنًا ثابتًا في الزمن، ولا بنية واحدة مغلقة على نفسها. المجتمعات العربية عرفت عبر تاريخها الطويل لحظات من التنظيم السياسي المعقد، من دول وإمبراطوريات ومدن مزدهرة كانت فيها الإدارة والقضاء والعمران في مستويات متقدمة مقارنة بزمنها.
المشكلة إذن لا تكمن في “طبيعة” الشعوب، بل في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي البنية التي تشكلت عبر قرون من تراكمات التاريخ الحديث خصوصًا: الدولة المركزية القوية، الإرث الاستعماري الذي أعاد تشكيل الحدود والمؤسسات دون إعادة تشكيل العقد الاجتماعي، ثم صعود الدولة الأمنية في مواجهة الانقلابات والحروب والصراعات الإقليمية.
في هذا السياق، يصبح “الإحكام” خيارًا بنيويًا لدى السلطة أكثر منه نزعة ثقافية. فحين تُبنى الدولة على هواجس البقاء والاستمرارية، يصبح توسيع المجال العام مخاطرة، ويصبح التعدد السياسي تهديدًا، وتتحول السياسة من فضاء إدارة اختلاف إلى ملف أمني.
إلى جانب ذلك، لعبت البُنى الاقتصادية دورًا حاسمًا. فاقتصادات الريع في عدد من الدول، حيث تعتمد الدولة على النفط أو المساعدات أو المركزية الشديدة في توزيع الثروة، تقلل من الحاجة إلى التمثيل السياسي، وتُضعف تدريجيًا العلاقة الطبيعية بين الضرائب والتمثيل، أي بين “المساهمة” و”المحاسبة”.
لكن العامل الأعمق ربما هو أزمة الثقة المتبادلة: ثقة السلطة في المجتمع، وثقة المجتمع في الدولة. حين تتآكل هذه الثقة، تُستبدل بالحذر، ثم بالرقابة، ثم بالإحكام. ومع الزمن، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح “الضبط” هو الشكل الطبيعي للحكم، حتى لو كان على حساب الحيوية السياسية والاجتماعية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن الخروج من دائرة “الإحكام” نحو “الحكمة” بمعناها الحقيقي، أي إدارة الدولة عبر العقل والتوازن والمشاركة، لا عبر السيطرة وحدها؟
التاريخ لا يغلق أبوابه نهائيًا. فالدول ليست كيانات جامدة، بل كائنات سياسية قابلة للتحول. لكن هذا التحول لا يأتي من تغيير شكل السلطة فقط، بل من إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والمجتمع، وبين الأمن والحرية، بحيث لا يبقى الأمن نقيضًا للحرية، ولا تبقى الحرية تهديدًا للأمن.
عندها فقط يمكن أن ننتقل من “إحكام القبضة” إلى “إحكام الإدارة”، ومن دولة تُدار بالخوف إلى دولة تُدار بالعقل، ومن سلطة ترى المجتمع خطرًا محتملًا إلى سلطة ترى فيه شريكًا ضروريًا لبقائها واستمرارها.