
من الشعارات إلى السلطة…
حين يُختزل “تحكيم الشرع” في مشروع حكم لا في مشروع عدالة:
في لحظات التحولات الكبرى، لا تأتي الشعارات في العالم السياسي كزينة لغوية، بل كأدوات صراع على المعنى والشرعية، وفي السياق السوري تحديداً، حيث تداخلت الحرب مع انهيار الدولة وتفتت المجتمع، أصبحت الشعارات—الدينية والسياسية على حد سواء—جزءاً من معركة أوسع، معركة من يعرّف الدولة، ومن يحتكر تمثيل الناس، ومن يملك حق صياغة المستقبل...
في هذا السياق، يطفو مجدداً خطاب “تحكيم الشرع” بوصفه عنواناً جامعاً، لكنه في كثير من تطبيقاته لا يُقدَّم كنقاش حول العدالة أو مقاصد الحكم الرشيد، بل يتحول إلى راية سياسية في فضاء شديد التعقيد، يُستخدم لتثبيت واقع قائم أكثر مما يُستخدم لبناء عقد اجتماعي جديد...
المشكلة لا تكمن في المفهوم ذاته حين يُطرح ضمن سياقه الفكري أو الأخلاقي، بل في طريقة توظيفه، فحين يُرفع الشعار ليصبح هو تعريف الدولة، ويُختزل مفهوم الشرع في جهاز سلطة، تنتقل الفكرة من فضاء القيم إلى فضاء الاحتكار، ومن أفق العدالة إلى منطق السيطرة...
وهنا يبدأ التوتر الحقيقي:
فبدلاً من أن يكون “تحكيم الشرع” سؤالاً عن العدل، ورفع المظالم، وضمان الحقوق، يصبح خطاباً سياسياً يطلب من المجتمع التسليم بمرجعية واحدة، تُعرّف الصواب والخطأ، وتحدد من يملك الشرعية ومن يُستبعد منها...
في المقابل:
يتم تقديم “العلمانية” في كثير من الخطابات كخصم وجودي للدين، وكأنها نقيض للإيمان أو تفكيك للمجتمع، بينما جوهرها السياسي—في تجاربها المختلفة—يتعلق أساساً بتنظيم العلاقة بين السلطة العامة والمعتقد، بحيث لا يتحول أي خطاب ديني أو أيديولوجي إلى أداة احتكار للدولة أو مصادرة للمجتمع...
لكن حين تُختزل المفاهيم بهذا الشكل الحاد، يتحول النقاش من بناء دولة إلى إدارة خوف، ومن البحث عن عقد اجتماعي إلى صناعة ثنائيات مغلقة: إما هذا النموذج أو الفوضى، إما “الشرع” أو “الانحلال”، إما الطاعة أو السقوط...
وفي هذا الإطار، لا يعود الدين نفسه هو موضوع النقاش، بل طريقة توظيفه فالدين في جوهره التاريخي والأخلاقي ارتبط بمفاهيم العدل ورفع الظلم وصون الكرامة الإنسانية، بينما يتحول في سياقات الصراع السياسي إلى لغة شرعنة أو أداة تعبئة، بحسب ميزان القوة لا بحسب ثبات القيم...
وتبقى المعضلة السورية العميقة هي:
أن المجتمع خرج من تجربة طويلة مع الاستبداد، جعلت الحساسية تجاه أي سلطة مطلقة—مهما كان غطاؤها—حساسية عالية ومبررة، لذلك، فإن أي مشروع حكم، سواء قدّم نفسه بلغة دينية أو مدنية، سيبقى موضع اختبار حقيقي:
- هل يقوم على القانون أم على الأشخاص؟..
- على المؤسسات أم على الولاءات؟ على المشاركة أم على الإقصاء؟..
لأن ما يظهر في بعض اللحظات من حراك شعاراتي أو تعبوي، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الصراع على الشرعية داخل بيئة غير مستقرة، حيث تتنافس القوى على تمثيل الناس لا عبر البرامج السياسية، بل عبر الرموز والهويات الكبرى...
لكن التجربة التاريخية السورية، كما تجارب المنطقة عموماً، تشير إلى حقيقة ثابتة وهي:
لا يمكن لأي سلطة أن تستقر طويلاً إذا لم تتحول من منطق الشعارات إلى منطق الدولة، ومن إدارة الولاء إلى إدارة القانون، ومن احتكار الحقيقة إلى قبول التعدد...
ولهذا، فإن الإشكال ليس في رفع شعار “تحكيم الشرع” أو غيره، بل في الإجابة عن السؤال الأعمق:
هل يُطرح هذا الشعار كمشروع عدالة يساوي بين الناس، أم كمشروع سلطة يعيد تعريف الناس وفق معيار واحد؟..
في النهاية:
تبقى الدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالعقود الاجتماعية،ولا تُحسم بالخطاب، بل بالمؤسسات، وما بين الخطاب والواقع، تتحدد المسافة بين مشروع يطمح إلى بناء دولة، ومشروع آخر يكتفي بإعادة إنتاج السلطة بأدوات مختلفة وأسماء جديدة.