
من الثورة إلى العقيدة: كيف تُدار الدولة السورية الجديدة؟ العميد أسعد الزعبي مثالا.
حين جرى تعيين الأخ العميد أسعد الزعبي في موقع استشاري لدى وزارة الدفاع السورية، اندفع كثيرون إلى منحه رتبة اللواء في التداول الشعبي والإعلامي، وربما كان الرجل حريّاً بها وجديراً بها قياساً إلى تاريخه العسكري وخبرته وموقعه الرمزي في سياق الأحداث السورية، لكن المسألة لا تتعلق هنا باستحقاق شخصي أو مجاملة معنوية، بل بطبيعة النظام الجديد نفسه، وبالمعايير التي تحكمه، وهي معايير باتت مختلفة جذرياً عمّا عرفته سورية طوال عقود، حتى في ظل النظام السابق بكل تعقيداته وتشوهاته.
رتبة اللواء اليوم ليست مجرد رتبة عسكرية عليا، بل أصبحت جزءاً من البنية العقائدية للنظام الجديد، ومنظومة الولاء التي يقوم عليها. فالدولة التي تتشكل الآن لا تعيد إنتاج المؤسسة العسكرية التقليدية، ولا تؤسس لنظام وطني بالمعنى الكلاسيكي للدولة، بل تعيد بناء السلطة على أساس عقائدي صرف، حيث لا تكفي الكفاءة، ولا التاريخ العسكري، ولا الأقدمية، ولا حتى الموقف السياسي من النظام السابق، بل إن كل ذلك يأتي في مرتبة ثانوية أمام معيار واحد حاسم: الانتماء العقائدي الخاص بالمنظومة الحاكمة الجديدة.
ومن هنا يمكن فهم الدلالة السياسية العميقة للمرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بتعيين أحد الإخوة من آل الزعبي الكرام وزيراً في الحكومة، ضمن سلسلة تغييرات جزئية وفردية تطال بعض الحقائب، على خلاف ما اعتادت عليه الدولة السورية سابقاً حين كانت التعديلات الحكومية تصدر دفعة واحدة وفي إطار حزمة سياسية متكاملة. لكن الشكل هنا ليس هو القضية الأساسية، فلكل زمان دولة ورجال كما يقال، وإنما القضية في الرسالة السياسية الكامنة وراء هذا التعيين.
تعيين وزير من آل الزعبي أغلق عملياً أي احتمال لأن يتولى العميد أسعد الزعبي موقعاً تنفيذياً سيادياً أو حكومياً مؤثراً. وهذه ليست مصادفة، ولا تفصيلاً عابراً، بل تعبير واضح عن طبيعة آلية الاختيار في النظام الجديد. فالمعادلة القائمة اليوم لا تسمح بتوسيع دائرة السلطة التنفيذية خارج الإطار العقائدي الصلب الذي تشكلت منه السلطة الحالية.
وهنا أصل المشكلة التي أكرر الحديث عنها دائماً في نقدي لسياسات النظام القائم: إن شروط التعيين في المواقع التنفيذية الحساسة، وخصوصاً الاستثنائية منها، لم تعد شروط دولة، بل شروط جماعة عقائدية مغلقة. وواهم من يظن أن مجرد الانتماء إلى الأكثرية السنية يكفي للدخول إلى البنية الحاكمة الجديدة. المسألة أبعد بكثير من ذلك. المطلوب عملياً هو المرور عبر المسار العقائدي الكامل الذي أنتج السلطة الحالية: جذور جهادية واضحة، أو على الأقل ارتباط عضوي بالبيئة الجهادية، مع تاريخ ضمن تشكيلات حملت فكراً عابراً للدولة الوطنية، ولا بأس أيضاً أن يكون هذا التاريخ قد تضمن ممارسة أعمال تُصنف وفق المعايير الأممية في إطار الإرهاب المسلح.
ثم تأتي الحلقة الأكثر حساسية: المرور عبر قناة تنظيم القاعدة – فرع سورية، أي جبهة النصرة سابقاً، والتي أعادت إنتاج نفسها لاحقاً تحت اسم هيئة تحرير الشام. هذه القناة تبدو اليوم بمثابة “ختم العبور” غير المعلن إلى مراكز النفوذ الحقيقية داخل الدولة الجديدة. فمن لم يمر عبر هذه التجربة العقائدية والتنظيمية، يبقى خارج الدائرة الصلبة مهما كانت مكانته أو تاريخه أو شعبيته.
ولهذا فإن أي ضابط سوري من العهد السابق، مهما علا شأنه، ومهما كانت أقدميته في الالتحاق بالثورة، ومهما بذل من جهد عسكري أو سياسي أو تنظيمي خلال سنوات الحرب، لن يكون قادراً على تولي موقع تنفيذي حقيقي في ظل ما يمكن تسميته اليوم بـ “الصورة الإسلامية السورية” للدولة الجديدة، ما لم يكن جزءاً عضوياً من البنية العقائدية التي صنعت السلطة الحالية.
إننا أمام انتقال خطير من دولة الأمن التقليدية إلى دولة العقيدة المغلقة. في السابق، كان الولاء السياسي للنظام شرطاً أساسياً للصعود، أما اليوم فالمطلوب ولاء عقائدي وتنظيمي وتاريخ جهادي محدد المعالم. الفارق أن النظام السابق، رغم استبداده، كان يسمح أحياناً بهوامش إدماج من خارج بنيته الصلبة إذا اقتضت الضرورة السياسية أو التوازنات الداخلية، أما النظام الحالي فيبدو أكثر انغلاقاً وأشد صرامة في معايير الاصطفاء.
وهذا ما يفسر حالة الإقصاء الصامت التي تطال شخصيات عسكرية وسياسية كثيرة شاركت مبكراً في الثورة السورية، لكنها لم تكن جزءاً من البيئة العقائدية الخاصة التي أوصلت السلطة الحالية إلى الحكم. لقد جرى استخدام هؤلاء في مراحل الصراع، لكن ساعة بناء السلطة الحقيقية أعادت رسم الحدود بوضوح: السلطة لمن يملك الشرعية العقائدية، لا لمن يملك التاريخ الوطني أو العسكري أو الثوري.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى التي ستواجه سورية في المستقبل: هل نحن أمام دولة لكل السوريين، أم أمام سلطة تعيد تعريف الدولة بوصفها امتداداً لتنظيم عقائدي مغلق؟ لأن الدول لا تُبنى بمنطق “أهل الثقة العقائدية” وحدهم، ولا يمكن لأي نظام أن يؤسس لاستقرار طويل الأمد إذا بقي يعتبر أن الشرعية تُستمد من الانتماء التنظيمي لا من الكفاءة الوطنية والتمثيل العام.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط طبيعة الأشخاص الذين يتولون السلطة، بل المعايير التي تُنتج السلطة نفسها. فالأشخاص يتغيرون، أما القواعد التي تُبنى عليها الدولة فهي التي تحدد مصير الأوطان لعقود طويلة.