--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

من التصحيح إلى اللحظة الراهنة: كيف تكشف المقارنة ما تحاول السياسة إخفاءه

Salah Kirata • ١١‏/٤‏/٢٠٢٦

21061.png

من التصحيح إلى اللحظة الراهنة: كيف تكشف المقارنة ما تحاول السياسة إخفاءه؟

ليست المقارنة بين مراحل الحكم في سوريا ترفاً فكرياً، ولا انحيازاً سياسياً مسبقاً، بل هي واحدة من الأدوات القليلة المتبقية لفهم ما جرى وما يجري، وربما ما سيحدث. فالمجتمعات التي تتردد في المقارنة، تتردد في المساءلة، والتي تغيب عنها المساءلة، تعيد إنتاج أزماتها بأشكال جديدة، حتى لو تغيّرت اللغة والشعارات.

من هنا، لا يمكن قراءة اللحظة الراهنة بمعزل عن جذورها، ولا يمكن فهم بنية أي سلطة ناشئة دون العودة إلى التجربة التي بدأت مع ما سُمّي بـ«الحركة التصحيحية» عام 1970، لا بوصفها حدثاً تاريخياً منتهياً، بل كنقطة تأسيس لنمط حكم استمر لعقود.

في تلك اللحظة، وُلد الأمل من رحم الصراع. جاءت «التصحيح» بعد سنوات من الانقسامات داخل حزب البعث، وصراعات القرار بين العسكريين والسياسيين، وتداعيات هزيمة 1967 التي هزّت بنية الدولة والمجتمع معاً. رُفعت آنذاك شعارات الاستقرار، وبناء المؤسسات، واستعادة هيبة الدولة. وبالفعل، بدا المشهد في سنواته الأولى وكأنه يتجه نحو تنظيم أكثر صلابة: دستور جديد عام 1973، مجلس شعب، وهياكل إدارية حديثة.

لكن ما بدا كعملية بناء دولة، كان في عمقه يسير في اتجاه مختلف. فهذه المؤسسات، رغم حضورها الشكلي، لم تتحول إلى أدوات توازن ورقابة، بل بقي القرار الفعلي متركزاً داخل دائرة ضيقة. ومع مرور الوقت، لم تتراجع هذه المركزية، بل تعمّقت، خاصة بعد حرب تشرين 1973 التي منحت السلطة زخماً سياسياً وشعبياً كان يمكن أن يُستثمر في توسيع المشاركة، لكنه استُخدم لترسيخ السيطرة.

هنا تبدأ القصة الحقيقية: ليس في لحظة الانغلاق، بل في مسار تشكّله.

خلال السبعينيات، لم يُعلن الانتقال إلى نظام مغلق بشكل صريح، بل جرى ذلك تدريجياً، عبر سلسلة من التحولات التي بدت في حينها إجرائية أو مؤقتة. توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية حتى أصبحت لاعباً مركزياً في إدارة الدولة، لا مجرد أداة لحمايتها. وفي الوقت نفسه، جرى احتواء التعددية السياسية ضمن إطار «الجبهة الوطنية التقدمية»، التي أعطت انطباعاً بالتعدد، لكنها حدّدته بسقف لا يمكن تجاوزه. أما في الاقتصاد، فبدأت تتشكل شبكات مصالح مرتبطة بالسلطة، مهدت لاحقاً لاقتصاد قائم على الامتيازات لا على المنافسة.

بهذا المعنى، لم يكن الانغلاق قراراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم بطيء بدأ بإجراءات قُدّمت بوصفها ضرورات مرحلية، ثم تحولت إلى قواعد دائمة.

هذه النقطة تحديداً هي ما يجعل المقارنة مع اللحظة الراهنة أمراً ضرورياً، لا استفزازياً.

فأي سلطة جديدة، مهما كانت ظروف نشأتها، لا تُقاس فقط بكيف وصلت، بل بكيف تُمارس الحكم بعد وصولها. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت مختلفة في خطابها، بل إن كانت مختلفة في بنيتها وسلوكها.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج منطقه. حين يُقدَّم الاستقرار بوصفه بديلاً عن الحرية، وحين تُؤجَّل المساءلة بذريعة الأولويات الوطنية، وحين يُعاد تشكيل مراكز القوة بدلاً من تفكيكها، فإننا لا نكون أمام تجربة جديدة بالكامل، بل أمام مسار مألوف، حتى لو اختلفت أدواته.

وهنا تكمن حساسية المقارنة: فهي لا تهدف إلى إدانة الحاضر ولا إلى تبرئة الماضي، بل إلى طرح الأسئلة التي تمنع تكرار المسار ذاته.

هل نحن أمام بناء مؤسسات حقيقية، قادرة على العمل باستقلال؟ أم أمام هياكل تنظيمية تعيد إنتاج القرار داخل دوائر مغلقة؟
هل القضاء قادر على محاسبة السلطة، أم أنه جزء من بنيتها؟
هل المجال العام يتسع للنقد، أم يُعاد ضبطه بأدوات مختلفة؟

هذه ليست أسئلة نظرية، بل مؤشرات مبكرة تحدد اتجاه التجربة برمتها.

لقد أظهرت تجربة السبعينيات بوضوح أن الشرعية التي تُبنى على الإنجاز أو القوة وحدهما تبقى هشة، وأن الأمن حين يتحول إلى أداة إدارة لا حماية، يبدأ بتقويض السياسة والمجتمع معاً. كما بيّنت أن وجود مؤسسات شكلية، كالدستور والبرلمان، لا يعني شيئاً دون استقلال فعلي وصلاحيات حقيقية، وأن الاقتصاد المرتبط بالسلطة ينتج بالضرورة شبكات فساد يصعب تفكيكها لاحقاً.

هذه ليست خلاصات نظرية، بل نتائج تاريخية دفعت سوريا ثمنها على مدى عقود.

من هنا، يصبح رفض المقارنة، تحت أي ذريعة، إشكالياً بحد ذاته. فالبعض يتحفظ عليها بدعوى اختلاف السياقات، أو خوفاً من أن تتحول إلى تبرير ضمني لتجربة سابقة. وهذا التحفظ مفهوم عاطفياً، لكنه لا يصمد منهجياً. لأن البديل عن المقارنة ليس الحياد، بل العمى الانتقائي.

في المقابل، لا تقل خطورة محاولة استخدام المقارنة لتخفيف النقد عن الحاضر، عبر القول إنه “ليس مثل السابق”. فالمقارنة ليست مفاضلة بين سيّئ وأسوأ، بل أداة تفكيك: هل تغيرت القواعد فعلاً، أم تغير اللاعبون فقط؟

في هذا الإطار، تصبح المقارنة أشبه بجهاز إنذار مبكر. فهي لا تنتظر اكتمال التجربة للحكم عليها، بل ترصد إشاراتها الأولى: تغوّل السلطة التنفيذية، تراجع استقلال القضاء، تضييق المجال العام، وتحوّل السياسة إلى إدارة مغلقة.

والأخطر أن هذه المسارات لا تبدأ بالقمع المباشر، بل بتبريره. تبدأ بعبارات مألوفة: “الوقت غير مناسب”، “الأولوية للاستقرار”، “الإصلاح لاحقاً”. ثم يتحول “اللاحق” إلى وعد مؤجل بلا نهاية.

لهذا، فإن الحياد الحقيقي في هذا النقاش لا يعني الوقوف في المنتصف بين السلطة ومعارضيها، بل الانحياز إلى معيار واضح: مصلحة السوريين. أي سلطة تُقاس بقدرتها على حماية المجتمع، لا السيطرة عليه، وعلى بناء دولة، لا احتكارها، وعلى قبول النقد، لا إخراسه.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بجواز المقارنة، بل بضرورتها. ولا بالسجال حول الماضي، بل بمنع تكراره.

السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً هو: هل نحن أمام مسار مختلف فعلاً، أم أمام إعادة تشكيل لنمط قديم بوسائل جديدة؟

الإجابة لا تُبنى على النوايا، بل على الوقائع.
ولا تُحسم بالشعارات، بل بطريقة توزيع السلطة، وحدودها، ومن يملك حق مساءلتها.

وسوريا، التي دفعت ثمناً باهظاً لتجربة لم تُقارن في وقتها كما يجب، لا تحتمل رفاهية التأخر في طرح هذا السؤال مرة أخرى.