
من بغداد إلى قاعة الخلد: خريف الحلم الوحدوي وبداية القطيعة بين الأسد وصدام
في منتصف حزيران/يونيو عام 1979، كانت بغداد تستقبل واحداً من أكثر اللقاءات حساسية في تاريخها السياسي الحديث، حين وصل وفد سوري رفيع برئاسة حافظ الأسد، يرافقه وزير الخارجية عبد الحليم خدام ونائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات فهمي اليوسفي، للقاء القيادة العراقية التي كان يتصدرها الرئيس أحمد حسن البكر، وإلى جانبه نائبه القوي صدام حسين ووزير الخارجية طارق عزيز.

انعقدت اجتماعات اللجنة السياسية العليا بين العراق وسوريا خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 20 حزيران، وسط أجواء حملت في ظاهرها خطاب الوحدة والتقارب، وفي باطنها تناقضات عميقة بين مشروعين سياسيين يتنافسان داخل حزب البعث نفسه. فقد صدر عن الاجتماعات إعلان سياسي يتحدث عن تعزيز العمل العربي المشترك، ومواجهة ما كان يُوصف آنذاك بالإمبريالية، إضافة إلى التفاهم على إنشاء قيادة سياسية موحدة تضم رئيسي البلدين وعدداً من كبار المسؤولين، تتولى رسم السياسات الخارجية والدفاعية، واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم.
لكن خلف اللغة الدبلوماسية، كانت الحسابات أكثر تعقيداً. يروي مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري آنذاك، أن أجواء الجلسات كانت تعكس تبايناً واضحاً في الرؤى داخل الوفد العراقي نفسه. فقد بدا أحمد حسن البكر متحمساً لفكرة التقارب مع دمشق، في حين كان صدام حسين أكثر تحفظاً، يراقب مجريات الحوار بعين سياسية حذرة، تدرك أن أي صيغة وحدة قد تعيد تشكيل ميزان القوة داخل بغداد.
وتشير روايات تلك المرحلة إلى أن إحدى أكثر الصيغ حساسية التي طرحت في النقاشات كانت تتعلق بترتيب القيادة، حيث جرى الحديث عن رئاسة أحمد حسن البكر، مقابل موقع لحافظ الأسد ضمن إطار قيادة مشتركة أوسع. ورغم أن الطرح جاء في سياق تسوية سياسية، إلا أنه حمل في طياته بذور التوتر، لأنه اصطدم مباشرة مع طموحات صدام حسين المتصاعدة داخل الدولة والحزب.
ومع انتهاء الاجتماعات، بدا أن المشروع الوحدوي قد خرج بصيغة توافقية ظاهرياً، لكنه في الواقع كان أقرب إلى هدنة مؤقتة بين اتجاهات متناقضة، أكثر منه تأسيساً لوحدة حقيقية قابلة للحياة.
بعد أسابيع قليلة فقط، تغيّر المشهد جذرياً في بغداد. تسلّم صدام حسين زمام السلطة الفعلية، وبدأت مرحلة إعادة تشكيل شاملة لمؤسسات الدولة والحزب. وفي اجتماع قاعة الخلد الشهير، جرى الإعلان عن ما وصف لاحقاً بمحاولة مؤامرة داخل حزب البعث، حيث أُجبر عدد من القيادات على الاعتراف تحت الضغط، وتوالت قرارات الإقصاء والاعتقال والإعدام بحق شخصيات بارزة، ما أنهى عملياً أي توازن داخلي سابق.
وفي خضم تلك الأحداث، أُجبر أحمد حسن البكر على تقديم استقالته والانسحاب من المشهد السياسي، لتبدأ مرحلة حكم صدام حسين بوصفه المركز الأوحد للسلطة في العراق، بينما تم تفكيك التيار المؤيد لفكرة الوحدة مع سوريا بشكل منهجي وحاد.
في المقابل، كان حافظ الأسد يراقب التحولات في بغداد من زاوية مختلفة، إذ بدا واضحاً أن مشروع الوحدة الذي طُرح كإطار استراتيجي لتقوية الموقف العربي بعد التحولات الإقليمية الكبرى، خصوصاً بعد خروج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، قد تحول إلى ساحة صراع داخلي داخل حزب البعث، بدل أن يكون جسراً للتقارب بين الدولتين.
وهكذا، لم يكن لقاء حزيران 1979 مجرد اجتماع سياسي عابر، بل محطة فاصلة دشنت النهاية الفعلية لأي إمكانية لاندماج سوري عراقي، وفتحت الباب أمام مرحلة طويلة من القطيعة والخصومة السياسية والشخصية بين حافظ الأسد وصدام حسين، انعكست لاحقاً على تاريخ المنطقة لعقود طويلة، وأعادت رسم خرائط التحالف والعداء في المشرق العربي.