--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

من درعا إلى دمشق: حين تصبح الإشارة أخطر من القرار

Salah Kirata • ٢٣‏/٣‏/٢٠٢٦

14696.jpg

من درعا إلى دمشق:

 حين تصبح الإشارة أخطر من القرار.

في آذار عام 2011، لم تكن درعا وحدها هي الحدث.
الحدث الحقيقي كان في كيفية التعامل معها.

يومها، برز اسم ، وبرز معه سؤال بسيط ردّده السوريون في كل مكان: لماذا لم يُقَل فوراً؟
لم يكن السؤال بدافع تصفية حساب، ولا لأن إقالته كانت كفيلة بمنع ما جرى لاحقاً، بل لأن الناس كانت تنتظر إشارة واضحة تقول إن الدولة ترى ما يحدث وتتحرك على هذا الأساس.

لكن الإشارة لم تأتِ.
وتأخر القرار… فكبرت القصة، وكبر معها الشك، ثم انفجرت البلاد.

لاحقاً، انتشرت روايات كثيرة حول موقف الرئيس من تلك الحادثة. قد تكون دقيقة أو مبالغاً فيها، لكن ذلك لم يعد مهماً. ما كان مهماً هو أن الناس صدّقتها، وبنت عليها قناعاتها.
وهنا تكمن واحدة من أخطر حقائق السياسة: ليس كل ما يُقال صحيحاً، لكن ما يصدّقه الناس يصبح واقعاً.

بعد أكثر من عقد، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر.
اليوم، يقف السيد أمام اختبار من نوع آخر: ليس فقط في إدارة الدولة، بل في ترسيخ صورة هذه الدولة في أذهان السوريين.

ما جرى مؤخراً في أحياء دمشق، من باب توما إلى العباسيين وجوبر، لا يمكن التعامل معه كحوادث منفصلة. هذه ليست مجرد وقائع ميدانية، بل إشارات يقرأها الناس بسرعة، ويُبنى عليها مزاج عام قد يتجه نحو التهدئة أو الاحتقان.

في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الأهم: هل أخطأ هذا المسؤول أم لا؟
بل: ماذا فهم الناس من بقائه أو من غيابه؟

لأن الناس، ببساطة، لا تحاسب النوايا… بل تحاسب الإشارات.

من هنا، تعود تجربة 2011 لتفرض نفسها كدرس واضح:
كلفة بقاء مسؤول مختلف عليه، أو محاط بالجدل، قد تكون أعلى بكثير من كلفة إقالته.
ليس لأن الإقالة إدانة نهائية، بل لأنها إجراء وقائي يحمي صورة الدولة من الشك، ويغلق باب التأويل قبل أن يُفتح.

ففي بيئة مشحونة، يكفي أن يُفهم القرار على أنه مراعاة لقريب أو محسوب—حتى لو لم يكن كذلك—حتى يتحول إلى مادة يومية في الشارع، وأداة بيد من يبحثون عن ثغرات لإثارة التوتر.

وهنا لا تقف المسألة عند حدود القرار الإداري، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب العام.
فما بدأ يظهر من نبرات طائفية أو إقصائية، أو حتى لغة تحدٍّ واستفزاز، يحمل في طياته خطراً أكبر من أي خطأ إداري. لأن هذه النبرة، إن تُركت، لا تعكس مجرد رأي، بل تؤسس لانقسام يصعب احتواؤه لاحقاً.

سوريا، ودمشق تحديداً، لم تُبنَ يوماً على لون واحد، ولا يمكن لها أن تستقر إذا شعر أي مكون فيها أنه خارج المعادلة. والتاريخ القريب يثبت أن أي محاولة لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور ضيق، تُنتج بالضرورة ردود فعل معاكسة، قد تبدأ صامتة لكنها لا تبقى كذلك.

وفي جانب آخر، لا تقل الرسائل الاقتصادية أهمية عن السياسية.
فعندما تُتخذ قرارات تمس حياة الناس اليومية—كقضية الرواتب أو استثناء فئات معينة مثل المتقاعدين—فإن تأثيرها لا يُقاس فقط بمضمونها، بل بكيفية فهمها.
قد تكون هناك مبررات مالية أو إدارية، لكن غياب التوضيح يفتح الباب أمام تفسير واحد لدى الناس: أن هناك من يُكافأ، ومن يُستثنى.

وفي بلد خرج من سنوات طويلة من الانقسام، يكفي هذا الشعور ليعيد إنتاج احتقان لا يُرى فوراً، لكنه يتراكم بصمت.

أما على المستوى الأوسع، فمن الصعب فصل ما جرى في سوريا عن السياق الدولي.
التفاهمات، التقاطعات، وحسابات القوى الكبرى كانت ولا تزال حاضرة. وهذا واقع لا يخص سوريا وحدها، بل معظم دول المنطقة.

لكن ما يهم هنا، هو أن جزءاً من هذه القوى لا يراهن على النجاح، بل على العكس تماماً.
هناك من ينتظر فشل أي تجربة حكم جديدة، خصوصاً إذا غلب عليها طابع أيديولوجي واضح.
وهذا الرهان لا يُواجه بالخطاب، بل بالفعل: بدولة مؤسسات، لا دولة انطباعات.

في النهاية، يمكن اختصار كل ما سبق بثلاث حقائق بسيطة:

الدولة لا تُدار بالنيات، بل بالرسائل التي تصل للناس.
والقرار لا يُقاس بما قُصد منه، بل بما فُهم منه.
وأخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة… هو أن تُترك الإشارات ملتبسة.

ما بدأ في درعا لم يكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات وإشارات خاطئة لم تُعالج في وقتها.
وسوريا اليوم، بكل ما مرت به، لا تحتمل أن تُعيد تجربة الخطأ نفسه… ولو بصيغة مختلفة.