
من “حرب الحسم” إلى “توازن الاستنزاف”: قراءة في حدود القوة في الشرق الأوسط
يشهد الشرق الأوسط اليوم حالة اشتباك غير مسبوقة بين أطراف تمتلك أدوات قوة متقدمة، لكنها تفتقر إلى القدرة على فرض الحسم. هذا النوع من الصراعات لا يشبه الحروب التقليدية التي تُحسم بمعركة فاصلة، بل ينتمي إلى نمط جديد يقوم على الاستنزاف المتبادل وإدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأهم هو منع الخصم من تحقيق أهدافه لا القضاء عليه.
ما يلفت الانتباه في هذه المواجهة هو انتقالها من حروب الظل إلى اشتباك شبه مباشر، بما يعكس تحوّلًا في قواعد الاشتباك الإقليمي. فالقوة لم تعد حكرًا على التفوق العسكري التقليدي، بل أصبحت موزعة بين أدوات متعددة: صواريخ دقيقة، مسيّرات، اختراقات استخباراتية، وحروب سيبرانية. هذا التعدد في أدوات الصراع جعل ميزان القوة أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للقياس وفق المعايير القديمة.
غير أن قراءة هذا المشهد بوصفه مقدمة لانهيار أحد الأطراف الكبرى قد تكون قراءة متسرعة. فالتاريخ يُظهر أن الكيانات السياسية، خصوصًا تلك المدعومة بتحالفات دولية، لا تنهار نتيجة ضربة عسكرية أو سلسلة ضربات، بل عبر تراكم طويل من الأزمات الداخلية، والاختلالات الاقتصادية، وتآكل الثقة المجتمعية. ومن هنا، فإن الحديث عن “زوال وشيك” لأي طرف في هذا الصراع يفتقر إلى الواقعية، رغم أن مؤشرات الإرهاق والتحدي موجودة بالفعل.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الطرفين يواجهان حدودًا واضحة لقوتهما. فالتفوق التكنولوجي والاستخباراتي، رغم أهميته، لم يعد كافيًا لتحقيق نصر حاسم، كما أن القدرة على إلحاق الأذى لم تعد تعني القدرة على فرض الإرادة السياسية. وهذا التحول يعكس أزمة أعمق في طبيعة الردع الحديث، حيث لم تعد الضربة القوية كافية لردع الخصم إذا كان مستعدًا لتحمّل الكلفة.
الأخطر في هذا النمط من الصراعات هو اتساع رقعتها الجغرافية والسياسية. فالتشابك بين ساحات متعددة يجعل من أي مواجهة مركزية نقطة انطلاق لسلسلة من ردود الفعل، قد تشمل جبهات بعيدة جغرافيًا لكنها متصلة استراتيجيًا. هذا التداخل يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، دون أن يعني ذلك بالضرورة اندلاع حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي.
على المستوى الداخلي، يظل العامل الحاسم هو قدرة المجتمعات على تحمل الضغوط. فالدول، مهما بلغت قوتها العسكرية، تبقى رهينة لاستقرارها الداخلي، وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تظهر الفجوة بين القدرة على الضرب والقدرة على الصمود. فالحرب الطويلة تستنزف ليس فقط القدرات العسكرية، بل أيضًا الإرادة السياسية، وتخلق بيئة خصبة للتصدعات الداخلية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذه المواجهة تعيد تشكيل الحسابات الاستراتيجية لدول المنطقة. فالدول لم تعد قادرة على البقاء في موقع المراقب، بل تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف مصالحها، واختيار مواقعها في خريطة متحركة. وهذا يعني أن الصراع الحالي قد يكون نقطة انطلاق لتحولات أعمق في التحالفات، وليس مجرد مواجهة عابرة.
دوليًا، تعكس هذه الأحداث تراجعًا نسبيًا في قدرة القوى الكبرى على فرض استقرار طويل الأمد في مناطق النزاع. فالولايات المتحدة، رغم استمرار حضورها، تميل إلى إدارة الأزمات بدلًا من حلها جذريًا، وهو ما يطيل أمد الصراع ويُبقيه في حالة سيولة دائمة. هذا النمط من الإدارة يخلق فراغًا استراتيجيًا تستفيد منه أطراف إقليمية لتعزيز أدوارها.
لكن من المهم تفكيك الفكرة القائلة إننا أمام بداية تفكك حتمي لأي كيان. مثل هذه الاستنتاجات غالبًا ما تنطلق من قراءة انفعالية أو إسقاطات تاريخية غير دقيقة. فالدول لا تختفي فجأة، بل تمر بمراحل متدرجة من التآكل أو إعادة التشكل. وقد تكون بعض مظاهر الضعف الحالية مؤشرات على تحول في طبيعة القوة، لا على نهايتها.
في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية التحديات التي يواجهها كل طرف. فإدارة حرب طويلة الأمد تتطلب موارد اقتصادية هائلة، وتماسكًا سياسيًا، وقدرة على ضبط الجبهة الداخلية. وأي خلل في هذه العناصر قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة على الاستمرار بنفس مستوى الأداء.
ما يمكن استخلاصه من هذا المشهد هو أننا أمام انتقال من منطق “الحسم السريع” إلى منطق “إدارة الصراع”. وهذا التحول بحد ذاته يمثل تغييرًا عميقًا في فلسفة الحروب، حيث لم يعد الهدف تحقيق انتصار نهائي، بل تحقيق أفضل موقع تفاوضي ممكن في صراع مفتوح.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال المطروح يجب أن يكون: من سينهار أولًا؟ بل: كيف ستتغير طبيعة القوة في هذه المنطقة؟ لأن ما نشهده ليس مجرد مواجهة بين أطراف، بل إعادة صياغة لمفهوم القوة ذاته. وهذه العملية، بطبيعتها، بطيئة، معقدة، ومفتوحة على احتمالات متعددة، قد لا تُحسم قريبًا، لكنها بالتأكيد ستترك آثارًا عميقة على مستقبل المنطقة بأكملها.