
منطق الردود المتبادلة… حين يقترب الصراع من حافة الانفجار الشامل:
في لحظات التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، لا تعود الأحداث مجرد سلسلة من عمليات عسكرية متفرقة أو رسائل سياسية عابرة، بل تتحول إلى منظومة معقدة من الأفعال وردود الأفعال، حيث تتداخل الحسابات الميدانية مع الرهانات الاستراتيجية، وتختفي الحدود الفاصلة بين ما هو محسوب وما هو قابل للانفلات.
ضمن هذا السياق، يمكن ملاحظة نمط متكرر في سلوك كل من امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يقوم على فكرة “المعاملة بالمثل” في إدارة الصراع، أي أن طبيعة الرد غالبًا ما تعكس طبيعة الفعل السابق: استهداف عسكري يقابله استهداف مماثل، وضرب بنى تحتية يقابله رد في المستوى ذاته، في محاولة غير معلنة لفرض نوع من التوازن الردعي غير المستقر.
لكن هذا التوازن، حتى عندما يبدو منضبطًا في ظاهره، يظل هشًا بطبيعته. فالحروب الحديثة لا تجري في ساحات منفصلة وواضحة، بل في مساحات متداخلة تختلط فيها الأهداف العسكرية بالمدنية، وتتقاطع فيها الرسائل السياسية مع العمليات الميدانية، ما يجعل أي افتراض بدقة “الرد المماثل” أقرب إلى التبسيط منه إلى الواقع.
الأخطر من ذلك أن التصعيد لا يبقى محصورًا في الفعل العسكري ذاته، بل يتغذى على خطاب سياسي وإعلامي يتزايد حدته مع الوقت. ومع ارتفاع منسوب التهديدات وتوسيع دائرة الأهداف المعلنة أو المحتملة، ينتقل الصراع تدريجيًا من كونه نزاعًا محدود السقف إلى حالة أقرب إلى الصراع المفتوح الذي لا يمكن التنبؤ بمداه.
في هذه المرحلة تحديدًا، تتغير طبيعة الإدراك لدى الأطراف المتنازعة، فبدل أن يُنظر إلى المواجهة باعتبارها صراع مصالح يمكن احتواؤه أو ضبطه، تبدأ تتشكل قناعة داخل بعض دوائر القرار بأنها مواجهة مصيرية، لا مجال فيها لأنصاف الحلول، وهذا التحول في الوعي السياسي والعسكري هو أحد أكثر عوامل التصعيد خطورة، لأنه يبرر توسيع نطاق العمليات ويخفف القيود التي كانت تمنع تجاوز خطوط معينة.
ومع استمرار هذا المسار، تتسع دائرة الأطراف المتداخلة في الصراع، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات التحالفات الإقليمية والدولية، وهنا لا تعود حسابات الحرب مرتبطة فقط بأطرافها الأساسيين، بل تتداخل معها مصالح قوى أخرى، لكل منها أولوياتها الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الاستقرار أو مع كلفة الحرب على الشعوب...
وفي ظل هذا التشابك، تلعب الحرب الإعلامية دورًا لا يقل خطورة عن الحرب الميدانية، إذ تتراجع القدرة على التحقق من المعلومات، وتغيب الصورة الكاملة للخسائر الإنسانية والمادية، لصالح روايات متناقضة تُستخدم لتبرير الاستمرار في التصعيد أو لتسويغه أمام الرأي العام.
ومع مرور الوقت، يصبح الثمن الحقيقي للحرب واضحًا في مكان آخر: في البنية التحتية للدول، في شبكات الخدمات الأساسية، وفي الحياة اليومية للمدنيين. فالمياه والكهرباء والمستشفيات والطرق ليست مجرد تفاصيل جانبية، بل هي العمود الفقري لاستمرار المجتمعات، وأي استهداف مباشر أو غير مباشر لها يضع الدولة نفسها أمام حالة إنهاك طويلة الأمد...
هذا الإنهاك المتراكم لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى البنية السياسية والاجتماعية، حيث تتراجع قدرة المؤسسات على العمل بكفاءة، وتتزايد الضغوط الداخلية، ما قد يفتح الباب أمام تحولات عميقة في شكل الدولة ووظائفها واستقرارها...
في المقابل، ومع اتساع رقعة الصراع وتعقيد أدواته، تتراجع قدرة القوى الخارجية على التحكم بإيقاع المنطقة كما كان الحال في مراحل سابقة، فكلما طال أمد المواجهات، أصبحت أكثر ذاتية وأقل قابلية للضبط من الخارج، وبدأت تتحرك وفق ديناميكيات داخلية يصعب احتواؤها أو توجيهها.
وسط هذا المشهد، يظهر عنصر آخر بالغ الأهمية هو :
وعي المجتمعات نفسها، فمع تراكم الخسائر وتزايد الكلفة الإنسانية، تبدأ الأسئلة الكبرى بالعودة إلى السطح حول معنى السيادة، وحدود القرار الوطني، وثمن الارتهان للصراعات المفتوحة. لكن هذا الوعي، رغم أهميته، لا يتحول تلقائيًا إلى مسار بناء، ما لم يُرافقه مشروع واضح يعيد ترتيب الأولويات على أساس الاستقرار والتنمية بدل الاستنزاف الدائم.
إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استمرار المواجهات، بل في تحولها إلى نمط دائم من إدارة الأزمات، حيث يصبح الاستثناء هو الهدوء، ويصبح التصعيد هو القاعدة. وفي هذه الحالة، تفقد المنطقة قدرتها على التقاط أنفاسها، وتدخل في دوامة طويلة من الاستنزاف المفتوح.
إن الحاجة الأكثر إلحاحًا في هذه اللحظة ليست فقط وقف النار، بل إعادة تعريف مفهوم الصراع نفسه: كيف يُدار؟ ولأي هدف؟ وبأي سقف؟ لأن غياب هذه الإجابات يعني ببساطة ترك المستقبل رهينة لمسار تصعيدي لا يعترف إلا بمنطق القوة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو على إمكانية كسر هذه الدائرة المغلقة، والانتقال من منطق الفعل ورد الفعل، إلى منطق سياسي جديد يعيد الاعتبار للإنسان كغاية، لا كوسيلة، ويؤسس لشرقٍ لا يولد من تحت الرماد، بل من تحت رؤية مختلفة لمستقبل أكثر توازنًا وأقل كلفة وأكثر إنسانية.