
مصباح اليزدي… “فيلسوف المحافظين” الذي صاغ التيار المتشدد ومهّد لبيئة نفوذ مجتبى خامنئي
في المشهد الفكري والسياسي داخل إيران، يبرز اسم آية الله محمد تقي مصباح اليزدي كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في صياغة التيار المحافظ المتشدد، حتى لُقّب بـ“فيلسوف المحافظين” لما حمله من رؤية عقائدية صارمة انعكست على بنية النظام ومؤسساته. فمنذ ولادته عام 1934 في مدينة يزد، وانتقاله إلى الدراسة في حوزات قم والنجف، تدرّج مصباح اليزدي ليصبح أحد أبرز الوجوه الفكرية المرتبطة بمشروع الجمهورية الإسلامية بعد الثورة عام 1979.
اعتمد مصباح اليزدي خطابًا يقوم على مركزية الحقيقة الدينية ورفض التعددية الفكرية، وكان من أشد المدافعين عن نظرية ولاية الفقيه بصيغتها المطلقة، معتبرًا أن الشرعية السياسية تنبع من التفسير الديني الصارم، لا من التوافقات السياسية أو الشعبية. هذا التوجه جعله قريبًا من دوائر السلطة العليا، وداعمًا قويًا للمرشد الأعلى علي خامنئي، حيث سعى إلى تكريس صورة المرشد كقائد ديني لا تُناقش قراراته، بل تُتبع باعتبارها امتدادًا للمرجعية الشرعية.
ولم يقتصر دور مصباح اليزدي على التنظير الفكري، بل امتد إلى بناء مؤسسات تعليمية وشبكات طلابية وحوزوية، ساهمت في إنتاج جيل من الكوادر الدينية والسياسية التي تتبنى رؤيته المحافظة. هذا التغلغل في البنية الفكرية للمؤسسات الدينية خلق ما يمكن اعتباره قاعدة صلبة للتيار المحافظ داخل إيران، وفتح المجال أمام بروز أجيال جديدة تحمل نفس التوجه.
في هذا السياق، يلفت بعض المحللين إلى أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى علي خامنئي، يتحرك ضمن بيئة فكرية وسياسية تتقاطع مع هذا الخط المحافظ الذي أسسه مصباح اليزدي. فرغم غياب تصريحات رسمية تربط بينهما بشكل مباشر، إلا أن التأثير يظهر في التلاقي الفكري حول مركزية السلطة الدينية، والتمسك بخط متشدد يرفض الانفتاح أو الإصلاح السياسي داخل النظام.
ويُنظر إلى مجتبى خامنئي باعتباره شخصية ذات نفوذ متزايد داخل دوائر القرار، خاصة في المؤسسات الحساسة، مستفيدًا من شبكة العلاقات التي نشأت عبر عقود داخل التيار المحافظ. وهنا يبرز دور الإرث الذي تركه مصباح اليزدي، ليس فقط كفيلسوف، بل كمهندس لبنية فكرية وتنظيمية ساعدت في ترسيخ هذا التيار، وتهيئة الأرضية لظهور شخصيات تتبنى رؤيته وتعمل في ظلها.
لقد رحل مصباح اليزدي في عام 2021، لكن تأثيره الفكري ما زال حاضرًا في الخطاب السياسي والديني داخل إيران، حيث تستمر مدرسته في التأثير على دوائر السلطة، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مستقبل القيادة داخل النظام، والدور الذي قد تلعبه شخصيات تنتمي إلى هذا التيار في المرحلة المقبلة.
وهكذا، لا يبدو تأثير مصباح اليزدي مجرد أثر فكري عابر، بل هو امتداد عميق في بنية النظام الإيراني، ينعكس في طريقة التفكير، وآليات الحكم، وصعود شخصيات جديدة، من بينها مجتبى خامنئي، الذي يتحرك في فضاء صنعه هذا الإرث المحافظ الممتد.