
ميلاد عالم جديد… حين يكتب التاريخ فصله التالي
ليس كلُّ حدثٍ سياسيٍّ عابرٍ يستحق أن يُسمّى لحظةً تاريخية. فالتاريخ — كما نعرفه — لا يتغير كل يوم، ولا تعاد كتابة قواعده مع كل أزمة أو حرب. لكن هناك لحظات نادرة، قليلة عبر القرون، يشعر فيها الإنسان بأن الأرض السياسية التي يقف عليها بدأت تتحرك. لحظات لا تعني فقط نهاية حربٍ ما، بل تعني بداية عصرٍ كامل.
نحن اليوم نعيش إحدى تلك اللحظات.
إن ما يجري في العالم الآن ليس مجرد صراعٍ عسكري بين دول، ولا مجرد تنافسٍ اقتصادي بين قوى كبرى. إننا نشهد ــ ببطءٍ أحياناً وبعنفٍ أحياناً أخرى ــ تفكك النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وترسخ بعد نهاية الحرب الباردة.
ذلك النظام الذي قامت ركائزه على ثلاث حقائق كبرى:
هيمنة القوة الغربية، قيادة الولايات المتحدة للنظام العالمي، وسيطرة المؤسسات التي نشأت بعد عام 1945.
لكن التاريخ لا يقبل الثبات طويلاً.
ففي عام 1945 خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية القوةَ الأعظم بلا منازع. ثم جاء عام 1991 ليعلن نهاية الاتحاد السوفييتي، وبداية ما سمّي بـ اللحظة الأحادية القطبية؛ حيث بدا العالم وكأنه دخل عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة.
غير أن التاريخ، كما علّمنا دائماً، لا يحب الفراغ ولا يحتمل احتكار القوة.
ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين بدأت التوازنات تتغير ببطء، ثم تسارعت التحولات حتى وصلت اليوم إلى نقطة لا يمكن إنكارها.
فالصعود الصيني لم يعد مجرد توقع اقتصادي؛ بل أصبح واقعاً جيوسياسياً. الصين تحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وإلى قوة تكنولوجية وصناعية تمتد مشاريعها عبر القارات، من مبادرة "الحزام والطريق" إلى تمددها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وفي الوقت ذاته، استعادت روسيا جزءاً من حضورها الاستراتيجي على المسرح الدولي، محاولةً كسر الإطار الذي فرضه الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
أما في الجنوب العالمي، فقد بدأت دولٌ كثيرة تتصرف بثقةٍ أكبر واستقلاليةٍ أوسع في قراراتها السياسية والاقتصادية. تحالفات جديدة تظهر، ومراكز قوة جديدة تتشكل، ونظام عالمي أكثر تعقيداً يتبلور تدريجياً.
وما يزيد الصورة وضوحاً أن المؤسسات التي كانت تمثل عمود النظام الدولي ــ من مجلس الأمن إلى المنظمات الاقتصادية العالمية ــ أصبحت تعكس توازنات الماضي أكثر مما تعكس واقع الحاضر.
كل ذلك يشير إلى حقيقة واحدة:
العالم القديم يتآكل… والعالم الجديد لم يكتمل بعد.
ولهذا تبدو الحروب والأزمات التي نراها اليوم وكأنها أكثر من مجرد نزاعات محلية. فهي، في جوهرها، صدمات انتقال بين نظامين دوليين: نظامٍ يحتضر، وآخر يتشكل.
التاريخ شهد مثل هذه اللحظات من قبل.
فالحروب النابليونية مهدت لولادة نظام أوروبا بعد مؤتمر فيينا.
والحربان العالميتان أعادتا رسم خريطة العالم في القرن العشرين.
وانهيار الاتحاد السوفييتي أعاد ترتيب ميزان القوى لعقود لاحقة.
واليوم نحن أمام لحظة انتقال مشابهة.
ليس لأن حرباً معينة ستنتهي، بل لأن قواعد اللعبة الدولية نفسها بدأت تتغير:
من عالمٍ أحادي القيادة إلى عالمٍ متعدد المراكز.
ومن نظامٍ مغلقٍ على قوة واحدة إلى نظامٍ مفتوحٍ على توازنات معقدة.
لهذا فإن ما نراه ليس نهاية حرب.
إنه — ببساطة — بداية عصر.
عصر لم تتحدد ملامحه بالكامل بعد، لكنه يتشكل أمام أعيننا:
اقتصادياً، بتغير مراكز الإنتاج والقوة المالية.
وسياسياً، بتعدد الأقطاب وصعود قوى جديدة.
وتكنولوجياً، بثورات الذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء.
وفي مثل هذه اللحظات لا يعود السؤال: من انتصر في هذه المعركة أو تلك؟
بل يصبح السؤال الأكبر:
أي عالم سيولد بعد كل هذا؟
التاريخ سيجيب.
فالتاريخ — كما كان دائماً — لا يكذب.