
"نريد أن نعيش… قبل أن نناقش كل شيء آخر"
في اللغة الشعبية، في “البلدي” كما نقول، هناك تعبيرات قاسية لكنها تكشف جوهر ما يشعر به الناس حين يصلون إلى حدود الإرهاق. لا تعود الشعارات ولا العناوين الكبرى ولا حتى الاصطفافات السياسية تعني الكثير أمام سؤال واحد بسيط ومباشر: كيف أعيش؟
المواطن السوري اليوم، ومنهم كاتب هذه السطور، وصل إلى مرحلة لم يعد فيها مهتماً كثيراً بتفاصيل البيانات السياسية، ولا بمسارات الوفود، ولا بمسألة تفعيل نظام مالي هنا أو رفع عقوبات هناك، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم التعهدات الدولية. كل ذلك، مهما كان ضجيجه في الإعلام، يتراجع أمام واقع يومي أكثر إلحاحاً وقسوة.
ما يهم اليوم هو تفاصيل الحياة المباشرة:
أن يكون الدخل كافياً لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم،
أن لا يتحول المرض إلى كارثة مالية،
أن يكون الدواء متوفراً دون إذلال،
أن تكون الكهرباء والوقود والماء والمواصلات والخدمات الأساسية ضمن حدود المعقول، لا رفاهية بل حقاً بسيطاً في الحياة.
في هذه اللحظة، تتراجع الأسئلة الكبرى عن شكل النظام السياسي أو هوية الرئيس، لأن الأولوية تصبح مرتبطة بالكفاءة والعدالة والدستور، لا بالانتماء الديني أو الطائفي أو القومي. ليس مهماً إن كان المسؤول كردياً أو عربياً، مسلماً أو مسيحياً، سنياً أو علوياً أو درزياً؛ المهم أن يكون مواطناً أولاً، وأن يخضع لمعايير دولة لا لمعايير اصطفاف.
لقد أنهكت السوريين سنوات طويلة من الصراع والتدخلات الإقليمية والدولية، حيث تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وكل طرف كان يرى في سوريا مرآة لصراعاته الخاصة، لا وطناً لشعبها. ومع مرور الوقت، لم يعد المواطن معنياً كثيراً بالشعارات الكبرى التي رُفعت باسم السياسة أو الدين أو “المحاور”، بقدر ما أصبح معنياًّ فقط بالبقاء.
اليوم، بعد كل هذا الثمن الباهظ، تتشكل قناعة بسيطة لكنها عميقة:
سوريا أولاً، قبل أي اصطفاف آخر.
وأن الكرامة الوطنية لا تُقاس بالشعارات الخارجية، بل بكرامة المواطن داخل بيته، في صحته، في خبزه، وفي أمنه المعيشي.
وفي العمق، لا يزال هناك أمل—even إن بدا بعيداً—أن تعود السياسة إلى معناها الحقيقي: إدارة حياة الناس، لا إدارة صراعاتهم. وأن يصبح الحديث عن سوريا، وعن الجولان، وعن فلسطين، حديثاً مرتبطاً بإجماع عربي حقيقي وموقف موحد، لا بساحات تنازع أو محاور متصارعة.
عندها فقط يمكن للإنسان أن يقول إنه يعيش، لا أنه ينجو فقط.
باختصار شديد:
نريد أن نعيش كأناس، لا كأرقام في نشرات الأخبار.