--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

قبل أن أنام: حين انتصرت الشائعة… وسقطت سورية

Salah Kirata • ٢٢‏/٥‏/٢٠٢٦

37488.jpg

قبل أن أنام: حين انتصرت الشائعة… وسقطت سورية؟

ما يجري اليوم لا يبدو تفصيلاً قضائياً عابراً، ولا مجرد إعادة فتح لملف قديم، بل لحظة تستدعي التأمل أكثر مما تستدعي الحكم؛ لأن ما يُستعاد في الذاكرة ليس واقعة منفردة، بل سردية كاملة تشكّل وعي مرحلة بكاملها.

خلال سنوات طويلة، تكرّست رواية “أحداث درعا” في الوعي العام بوصفها الشرارة الأولى، اللحظة التي انطلقت منها التحولات الكبرى، حتى بدت وكأنها حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة أو تفكيك. غير أن الزمن، بما يتيحه من شهادات وتفاصيل متباينة، يعيد أحياناً فتح الأسئلة التي ظنّ الناس أنها أُغلقت نهائياً.

هذا لا يعني إنكار أن المجتمع السوري كان يعيش احتقاناً عميقاً، أو أن التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم تكن ثقيلة وممتدة. فالأزمات لم تكن طارئة، والغضب لم يكن مصنوعاً من فراغ، بل كان نتاج سنوات طويلة من التعقيد والتداخل.

لكن الشعوب، في لحظاتها المفصلية، لا تتحرك دائماً وفق الحسابات الباردة وحدها؛ بل قد تتحرك أيضاً تحت تأثير اللحظة التي تُسقط الحواجز النفسية، وتحوّل الغضب الكامن إلى فعل مفتوح، يتجاوز أحياناً حدود التقدير والتوقع.

في هذا السياق، اكتسبت بعض الروايات المبكرة قوة استثنائية، لا بسبب توثيقها فقط، بل بسبب شحنتها الرمزية الثقيلة، حين تتعلق بالطفولة والكرامة والإهانة. فمثل هذه الصور لا تُقرأ بعقل بارد، بل تُستقبل كشرارة وجدانية تُعيد تشكيل الإدراك قبل أن تكتمل الأسئلة.

ومع تعاقب السنوات، وظهور روايات وشهادات مختلفة حول بعض تفاصيل تلك المرحلة، يصبح التساؤل جزءاً طبيعياً من إعادة قراءة التاريخ، لا بهدف نفي ما حدث، بل لفهم كيف تمّ تمثيله، وكيف استقر في الوعي الجمعي بهذا الشكل.

ومع ذلك، يبقى من الصعب—بل من غير الدقيق—اختزال ما جرى في سوريا في لحظة واحدة أو رواية واحدة. فالمشهد كان أوسع من أي سرد منفرد، وأكثر تشابكاً من أن يُختزل في سبب مباشر أو حادثة منفردة.

ثم إن السنوات التي تلت فتحت بدورها أسئلة أكثر تعقيداً حول طبيعة التحولات داخل الدولة، وحول التداخل بين الداخل والخارج، وحول المسارات التي كانت تُغلق أحياناً وتُفتح أحياناً أخرى، في لحظة تاريخية شديدة السيولة.

وفي عمق هذا المشهد، يظل سؤال آخر معلّقاً: هل كانت هناك محاولات داخلية لصياغة مخرج مختلف، أو لتخفيف حدة الانزلاق، قبل أن تتسارع الأحداث وتغلق الخيارات؟
أسئلة تبقى في مساحة التأمل أكثر مما تدخل في مساحة اليقين.

كما أن قراءة ما حدث من زاوية واحدة—طائفية أو تبسيطية—تُفقد المشهد كثيراً من تعقيده، وتحوّله إلى صورة لا تشبه الواقع الذي كان أكثر تركيباً وتشابكاً من كل الاختصارات.

وفي المحصلة، تبدو بعض اللحظات التاريخية وكأنها لا تغيّر الاتجاه فقط، بل تعيد تشكيل احتمالاته بالكامل، فتُسقط مسارات كانت ممكنة، وتفتح أخرى لم تكن في الحسبان.

أما ما يتعلق بالروايات السياسية والإجراءات التي رافقت تلك المرحلة، فهي بدورها تبقى جزءاً من جدل مفتوح، تتعدد فيه القراءات، وتتباين فيه زوايا النظر، دون أن يستقر على رواية نهائية واحدة.

وفي الأفق الأوسع، لا يمكن إغفال أن ما جرى لم يكن بمعزل عن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، تداخلت فيه الإرادات والمصالح، وتشابكت فيه أدوات التأثير، كما تتشابك خيوط لا تُرى كاملة من الداخل.

لكن ذلك كله لا يلغي أن الداخل السوري نفسه كان حاملاً لتناقضاته العميقة، وأن لحظة الانفجار كانت نتاج تراكب طويل، لا نتيجة سبب واحد منفرد.

ويبقى السؤال، ربما، ليس فقط: كيف بدأت الحكاية؟
بل أيضاً: كيف تُصنع الحكايات التي تسبق التاريخ وتعيد تفسيره بعد وقوعه؟

أما الجماهير، ففي الغالب لا ترى إلا ما يصل إليها من المشهد، بينما تُصاغ كثير من مسارات التاريخ في طبقات أعمق، لا تُكشف بسهولة، ولا تُفهم إلا بعد زمن طويل من التأمل.