
قراءة في مذكرة تفاهم من 14 بنداً بين طهران وواشنطن.. هل تقترب إيران والولايات المتحدة من أكبر تسوية منذ عقود؟:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات
كشفت وكالة أنباء "مهر" الإيرانية، نقلاً عن مصدر مقرب من فريق التفاوض الإيراني، عن تفاصيل مسودة مذكرة تفاهم (إيرانية-أمريكية) تتألف من 14 بنداً، تمثل - في حال صحتها واعتمادها - إطاراً أولياً لتسوية واسعة بين الطرفين تتجاوز الملف النووي التقليدي إلى قضايا العقوبات والأمن الإقليمي وإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني.
وبحسب المصدر، تنص المسودة على وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مقابل التزام أمريكي باحترام سيادة إيران وعدم التدخل في شؤونها الداخلية...
وتتضمن البنود رفع الحصار البحري خلال ثلاثين يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز وفق ترتيبات إيرانية، إلى جانب تعليق العقوبات المتعلقة بقطاع النفط والبتروكيماويات، وتمكين طهران من الوصول إلى مواردها المالية المجمدة في الخارج...
كما تنص المذكرة على سحب القوات الأمريكية من محيط إيران، والإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة المفاوضات النهائية، على أن يتم توفير نصف هذا المبلغ قبل انطلاق المفاوضات الرسمية...
وتشير الوثيقة إلى فترة تفاوض نهائية تمتد ستين يوماً للوصول إلى اتفاق شامل يركز على الملف النووي ورفع العقوبات الأمريكية وقرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل تأكيد إيراني على الالتزام بمعاهدة عدم الانتشار النووي وعدم إنتاج سلاح نووي..
ومن أبرز البنود المثيرة للانتباه مطالبة الولايات المتحدة وحلفائها بوضع خطط لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، إضافة إلى اعتماد الاتفاق النهائي بقرار من مجلس الأمن الدولي وإنشاء آلية رقابية مشتركة لمتابعة التنفيذ...
كما تكشف المذكرة عن استبعاد برنامج الصواريخ الإيراني وملف دعم حركات المقاومة بشكل نهائي من جدول الأعمال، وهو ما يعد تحولاً مهماً مقارنة بالمطالب الغربية التقليدية خلال السنوات الماضية...
ماذا يعني هذا؟!:
إذا كانت هذه البنود تعكس بالفعل موقفاً تفاوضياً إيرانياً رسمياً، فإنها تشير إلى أن طهران تسعى إلى تحويل أي تفاوض مقبل من مجرد اتفاق نووي محدود إلى تسوية استراتيجية شاملة تعالج آثار العقوبات والصراع الممتد مع الولايات المتحدة...
هذا :
وتكشف البنود أن إيران تحاول تثبيت ثلاثة مبادئ رئيسية:
أولاً:
الاعتراف العملي بدورها الإقليمي وعدم ربط الاتفاق ببرنامجها الصاروخي أو علاقاتها مع حلفائها في المنطقة...
ثانياً:
الحصول على مكاسب اقتصادية ملموسة وفورية قبل الدخول في المرحلة النهائية من التفاوض، بما في ذلك الأموال المجمدة والعقوبات النفطية...
ثالثاً:
توفير ضمانات دولية تمنع تكرار تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، وذلك عبر ربط الاتفاق بقرار من مجلس الأمن الدولي...
في المقابل:
تبدو بعض البنود، وخاصة ما يتعلق بإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بمبلغ 300 مليار دولار، وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران، من بين أكثر النقاط التي قد تواجه اعتراضاً أمريكياً وغربياً، ما يجعلها أقرب إلى سقف تفاوضي مرتفع منه إلى بنود نهائية جاهزة للتنفيذ...
السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول:
يتمثل في نجاح المفاوضات التمهيدية والتوصل إلى اتفاق مرحلي يركز على تخفيف العقوبات وتجميد التوتر العسكري، وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب...
أما السيناريو الثاني:
فيقوم على قبول أمريكي جزئي ببعض المطالب الاقتصادية مقابل قيود إضافية على النشاط النووي الإيراني، ما قد يقود إلى اتفاق أوسع خلال الأشهر المقبلة...
في حين يبقى السيناريو الثالث قائماً إذا تعثرت المفاوضات حول الضمانات المالية والعقوبات، الأمر الذي قد يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد المتبادل والضغوط الاقتصادية والعسكرية...
وفي جميع الأحوال، فإن البنود المسربة تعكس أن أي مفاوضات مقبلة لن تكون مجرد نقاش تقني حول نسب التخصيب النووي، بل ستكون مفاوضات على شكل النظام الأمني والاقتصادي الجديد في منطقة الخليج والشرق الأوسط بأكملها...
رؤيتي السياسية بشكل مختصر:
إذا كانت هذه البنود حقيقية، فإنها تبدو أقرب إلى "ورقة مطالب إيرانية افتتاحية" منها إلى مسودة متفق عليها بين الطرفين، لذلك فإن فرص قبولها كاملة تبدو ضعيفة، لكن بعضها قد يشكل أساساً لمفاوضات أوسع حول العقوبات والملف النووي، خاصة إذا ترافقت مع رغبة مشتركة في تجنب مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة.