بين السطور... ماذا أراد الرئيس أحمد الشرع أن يقول عن إيران

Salah Kirata • ٢٧‏/٧‏/٢٠٢٦

61673.png


بين السطور... 
ماذا أراد الرئيس أحمد الشرع أن يقول عن إيران؟

ليست كل التصريحات السياسية موجهة إلى الجمهور، فبعضها يحمل رسائل استراتيجية تتجاوز ظاهر الكلمات، وتستهدف الخصوم والحلفاء وصناع القرار في آن واحد، ومن هذا المنطلق، تبدو ملاحظات الرئيس أحمد الشرع حول إيران في مقابلته مع قناة الجزيرة من أكثر ما قيل أهمية، لأنها لم تكن مجرد توصيف سياسي، بل قراءة لطبيعة التفكير الاستراتيجي الإيراني كما فهمه من خلال تجربة ميدانية طويلة...

عندما تحدث الشرع عن أن بعض أوساط الحرس الثوري تنظر إلى دول الخليج باعتبارها جزءًا من "حق تاريخي"، فهو لم يكن يتحدث عن خلاف حدودي أو نزاع عابر، وإنما كان يشير إلى وجود تيار داخل المؤسسة الإيرانية يحمل رؤية توسعية تستند إلى اعتبارات تاريخية وأيديولوجية وجيوسياسية. وهذه الرؤية ليست وليدة اللحظة، بل ظهرت في أدبيات وسياسات إيرانية على مدى عقود، وإن كانت درجات التعبير عنها تختلف بين مرحلة وأخرى...

أما الجزء الأكثر لفتًا للانتباه فهو المقارنة بين طريقة إدارة الولايات المتحدة للحروب وطريقة إدارة إيران لها. فهذه العبارة تختصر اختلافًا جوهريًا في العقيدة الاستراتيجية للطرفين...

- فالولايات المتحدة، بحكم تفوقها العسكري والاقتصادي، تميل غالبًا إلى تحقيق نتائج حاسمة خلال فترة زمنية قصيرة، لأنها تدرك أن إطالة الحروب تستنزف الإرادة السياسية والاقتصادية وتؤثر في الرأي العام الداخلي...

- في المقابل، تعتمد إيران في كثير من الحالات على استراتيجية النفس الطويل، وإدارة الصراعات عبر الاستنزاف، واستخدام الحلفاء المحليين والقوى غير النظامية، والعمل على إنهاك الخصم تدريجيًا بدل الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة. ومن هنا يصبح الزمن بالنسبة لطهران عنصر قوة، بينما يصبح بالنسبة لخصومها عنصر ضغط...

وهنا يبرز السؤال المهم وهو:
-  هل كان الشرع يقول ما يعرفه، أم ما يعتقده؟..

الراجح أنه كان يتحدث انطلاقًا من خبرة عملية أكثر منها نظرية، فالشرع خاض سنوات من المواجهات العسكرية في الساحة السورية ضد تشكيلات مدعومة من الحرس الثوري الإيراني، واحتك بصورة مباشرة بأساليب القتال وإدارة العمليات، ولذلك فإن تقييمه لا يبدو قائمًا على التحليل الأكاديمي فقط، بل على تجربة ميدانية طويلة منحته فرصة لفهم طريقة التفكير لدى خصمه...

كما أن هذا التصريح يحمل رسالة غير مباشرة إلى العواصم الخليجية، مفادها أن التهديد لا يُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضًا بطريقة تفكير الخصم وأهدافه البعيدة، وأن فهم العقيدة الاستراتيجية لأي دولة لا يقل أهمية عن معرفة حجم ترسانتها...

وفي الوقت نفسه، يوجه رسالة إلى الغرب بأن التعامل مع إيران لا يمكن أن يقوم فقط على حسابات القوة التقليدية، لأن طهران تجيد إدارة الصراعات الممتدة، وتراهن على عامل الزمن، وعلى إنهاك الخصوم سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا قبل تحقيق أهدافها.

في المحصلة، فإن أخطر ما في هذا التصريح ليس المقارنة بين إيران والولايات المتحدة، وإنما أن المتحدث قدم نفسه باعتباره شاهدًا على طريقة التفكير الإيرانية، لا مجرد مراقب لها. وهذا ما يمنح كلامه وزنًا خاصًا، سواء اتفق معه المتابع أم اختلف، لأنه يستند - في ظاهره على الأقل - إلى تجربة ميدانية مباشرة أكثر مما يستند إلى التنظير السياسي...

ويبقى السؤال مفتوحًا: 
- هل أراد الرئيس الشرع مجرد توصيف واقع عاشه، أم أنه كان يوجه رسالة استراتيجية محسوبة إلى طهران، وإلى الخليج، وإلى واشنطن في آن واحد؟..

 كثير من المؤشرات توحي بأن كلماته لم تكن عفوية، وأن اختيارها جاء بدقة، لأن الرسائل الكبرى في السياسة تُقال أحيانًا بجملة واحدة، لكنها تُقرأ على مستويات متعددة...

ولعل الرسالة الأهم في هذا التصريح أن الحروب المقبلة لن تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل بقدرة كل طرف على فرض إيقاعه الزمني على الآخر. فالولايات المتحدة تسعى عادة إلى إنهاء المواجهات بسرعة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية عاجلة، بينما تراهن إيران على استنزاف خصومها وإطالة أمد الصراع حتى تتبدل الموازين أو تتراجع الإرادات. ومن هنا يمكن فهم أن الشرع لم يكن يصف أسلوبًا عسكريًا فحسب، بل كان يلفت الانتباه إلى اختلاف عميق في فلسفة إدارة الصراع بين القوتين، وهو اختلاف قد يحدد شكل الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.