
الشرع في الجزيرة...
عندما يتقدم خطاب الدولة على خطاب الثورة.
ليست الدول في المراحل الانتقالية بحاجة إلى كثرة الشعارات، بقدر حاجتها إلى وضوح الرؤية. ومن يتابع الجزء الأول من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة يدرك أن الرجل حاول أن يؤسس لخطاب سياسي جديد، يختلف في لغته وأولوياته عن الخطابات التي سادت سنوات الصراع...
فقد بدا واضحاً أن الرئيس لم يعد يتحدث بوصفه قائداً لمرحلة إسقاط نظام، بل بوصفه رئيساً لدولة تواجه استحقاقات معقدة؛ من إعادة بناء المؤسسات، إلى استعادة الثقة الداخلية، مروراً بإعادة تموضع سورية في محيطها العربي والدولي...
أولى الرسائل التي برزت في المقابلة كانت أن الدولة أصبحت المشروع الأول. فالأمن، والإدارة، والاقتصاد، والخدمات، وإعادة الإعمار، كلها حضرت قبل أي حديث أيديولوجي أو تعبوي. وهذه ليست مجرد مفردات لغوية، بل مؤشر على انتقال مركز الثقل من منطق الثورة إلى منطق الدولة...
وفي الداخل السوري، حاول الشرع أن يبعث برسالة طمأنة إلى مختلف المكونات الوطنية، مؤكداً أن المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة وأبنائها. وإذا كانت سورية قد دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الانقسامات والاستقطابات، فإن أي مشروع وطني لن ينجح ما لم يشعر جميع السوريين بأنهم متساوون أمام القانون، وأن الدولة تقف على المسافة نفسها من الجميع...
أما في ملف السلاح، فقد جاء موقف الرئيس حاسماً. فلا يمكن تصور قيام دولة حديثة في ظل تعدد مراكز القوة العسكرية، ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد خيار سياسي، بل هو شرط لازم لقيام دولة القانون. غير أن نجاح هذا المسار سيبقى رهناً بقدرة الحكومة على الجمع بين الحزم والحوار، وبين بناء مؤسسة عسكرية وطنية وكسب ثقة القوى التي ستنخرط فيها...
وعلى الصعيد الإقليمي، حملت تصريحات الشرع بشأن إسرائيل دلالات تستحق التوقف، فهو لم يتحدث عن تطبيع مجاني، ولم يلوّح بحرب مفتوحة، بل تحدث عن ترتيبات أمنية قد تفضي إلى سلام أوسع، مع تمسكه بحق سورية في الجولان المحتل. وهذه المقاربة تعكس توجهاً براغماتياً يضع أمن الدولة واستقرارها في مقدمة الأولويات، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية وعدم التفريط بها...
وفي الملف اللبناني، بدا الرئيس حريصاً على طي صفحة التدخلات التي طبعت العلاقة بين البلدين لعقود. فإعلانه أن سورية لن تتدخل عسكرياً في لبنان، ودعمه حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، يعبران عن رؤية جديدة تقوم على احترام سيادة الدول والتعاون معها، لا الوصاية عليها. وهي رسالة لا تقل أهمية عن أي موقف سياسي آخر ورد في المقابلة...
اقتصادياً، أظهر الشرع إدراكاً لطبيعة الأزمة عندما أكد أن رفع العقوبات وحده لا يكفي ما لم يُرفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب. فعودة البلاد إلى النظام المالي العالمي، واستقطاب الاستثمارات، واستعادة ثقة المؤسسات الدولية، كلها حلقات مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى...
أما حديثه عن الاتفاق مع "قسد"، فقد اتسم بقدر من الواقعية. فلا إنكار لوجود بطء في التنفيذ، ولا تهويل للأزمة، بل تأكيد على استمرار العمل لإنجاح الاتفاق، وهذا يعكس تفضيلاً واضحاً للحلول السياسية على خيارات التصعيد، وهو ما قد يسهم في تعزيز وحدة الدولة إذا ما تُرجم إلى خطوات عملية...
وفي المقابل، حمل إعلان تشكيل لجنة وطنية لملف المفقودين بعداً أخلاقياً وإنسانياً بالغ الأهمية. فهذا الملف ليس مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل جرح مفتوح في ذاكرة مئات آلاف العائلات السورية، ولن تُطوى صفحته إلا بالحقيقة والعدالة والشفافية...
لقد كان لافتاً أيضاً أن الرئيس تجنب لغة الانتصار والانتقام، وفضّل الحديث بلغة المستقبل. وهذه نقطة تحسب للخطاب السياسي، لأن الدول لا تُبنى بثقافة الثأر، وإنما بثقافة المؤسسات والقانون والمصالحة الوطنية القائمة على العدالة...
ومع ذلك، فإن السياسة لا تُقاس بحسن النوايا وحدها. فالنجاح الحقيقي لأي قيادة لا يكمن في جودة الخطاب، بل في قدرتها على تحويل الوعود إلى سياسات، والتصريحات إلى مؤسسات، والرؤى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في أمنه ومعيشته وكرامته.
لقد قدم الرئيس أحمد الشرع، في هذا اللقاء، تصوراً متماسكاً لسورية التي يريدها:
دولة مؤسسات، ذات سيادة، منفتحة على محيطها، تسعى إلى الاستقرار، وتحاول إعادة بناء علاقتها بالعالم. غير أن الطريق إلى هذه الدولة ما يزال طويلاً، ومحفوفاً بتحديات داخلية وإقليمية ودولية لا تقل تعقيداً عن سنوات الحرب نفسها...
ولعل الرسالة الأهم التي خرج بها المشاهد من هذا اللقاء هي أن سورية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها ليس إسقاط نظام أو حسم معركة، بل اختبار القدرة على بناء دولة. وبين الخطاب والواقع تبقى الأيام وحدها هي الحكم، ويبقى المواطن السوري هو المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع سياسي، لأن قوة الدول لا تُقاس بما يقال على الشاشات، بل بما يتحقق على الأرض.