وسيم الأسد... بين ميزان العدالة واختبار الشرعية

Salah Kirata • ٢٦‏/٧‏/٢٠٢٦

61302.png


وسيم الأسد...
 بين ميزان العدالة واختبار الشرعية.

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

قد تكون محاكمة وسيم الأسد أخطر محاكمة تشهدها سورية الجديدة، ليس لأن المتهم ينتمي إلى عائلة حكمت البلاد لعقود، بل لأن الحكم الذي سيصدر بحقه سيشكل أول اختبار حقيقي لاستقلال القضاء، ولقدرة السلطة السياسية على احترام مبدأ سيادة القانون...

فإذا تُرك القضاء يمارس اختصاصه بحرية كاملة، ودون أي تدخل أو ضغط، فإن قاضي محكمة الجنايات الرابعة سيكون ملزمًا بتطبيق القانون النافذ على الوقائع الثابتة أمامه، بعد سماع شهود الإثبات ومطالعة النيابة العامة، التي نسبت إلى المتهم ارتكاب عدة جرائم، تكفي أي واحدة منها لأن تكون عقوبتها الإعدام...

ومن هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح وهو :
- هل سيترك الرئيس أحمد الشرع القضاء يقول كلمته الأخيرة دون تدخل، ثم يوافق على تنفيذ الحكم إذا انتهى إلى الإعدام بعد استكمال جميع مراحله القانونية؟ أم أن السلطة السياسية ستتدخل قبل الوصول إلى هذه المرحلة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو عبر الدفع نحو إصدار تشريع جديد يوقف العمل بعقوبة الإعدام في سورية؟..

إن أي تدخل، أياً كانت وسيلته، سواء صدر عن رئيس الجمهورية مباشرة أو عبر وزارة العدل بوصفها الجهة الوصائية على الإدارة القضائية، سيُقرأ باعتباره تدخلاً في شؤون السلطة القضائية، وسيترك انطباعًا بأن العدالة لا تزال خاضعة لاعتبارات السياسة، وهو ما سيُلحق ضررًا بالغًا بصورة دولة ما زالت تسعى إلى إثبات أنها انتقلت فعلًا من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات...

ولا يغير من هذه الحقيقة ما يُثار حول نية الحكومة الانتقالية إحالة مشروع قانون إلى مجلس الشعب يقضي بإلغاء أو وقف تطبيق عقوبة الإعدام، لأن المحاكمة تُجرى وفق قانون نافذ وقت ارتكاب الجرائم، ولأن العقوبات المقررة فيها كانت معلومة وسارية قبل مباشرة الدعوى...

أما التذرع بمبدأ القانون الأصلح للمتهم، فلا يصلح ــ في الحالة التي نحن بصددها ــ ذريعة للالتفاف على حكم القانون إذا كان الحكم قد اكتسب الدرجة القطعية قبل صدور أي تعديل تشريعي، إذ إن استقرار الأحكام القضائية النهائية يمثل أحد أهم ضمانات استقرار القضاء، ولا يجوز العبث به تحت أي مبرر سياسي...

واليوم، لا يقف وسيم الأسد وحده في قفص الاتهام، بل تقف إلى جانبه الدولة السورية نفسها، وهي تُختبر أمام شعبها وأمام العالم، فإما أن تنتصر لاستقلال القضاء، وتبرهن أن لا أحد فوق القانون، وإما أن تسمح للسياسة بأن تمد يدها إلى منصة العدالة، فتخسر فرصة ثمينة لترسيخ الثقة بدولة المؤسسات...

إن الرئيس أحمد الشرع أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل الالتباس، فإذا مضت المحاكمة في طريقها الطبيعي، وصدر الحكم وفق القانون ونُفذ بعيدًا عن أي تدخل أو مساومة، فإن ذلك لن يكون مجرد حكم على شخص، بل سيكون إعلانًا بأن سورية دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون والمساواة أمام العدالة...

أما إذا فُتح الباب أمام التدخلات أو الاستثناءات أو التسويات السياسية، فإن الرسالة التي ستصل إلى السوريين ستكون معاكسة تمامًا، ومفادها أن الأشخاص قد تغيروا، أما طريقة إدارة العدالة فلم تتغير...

ولذلك، فإن هذه القضية لم تعد قضية وسيم الأسد وحده، بل أصبحت قضية الدولة السورية نفسها، وقضية الشرعية التي تسعى السلطة الانتقالية إلى ترسيخها، وقضية الثقة التي ينتظرها السوريون بعد سنوات طويلة من تغييب العدالة، فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى حين يصبح القانون سيدًا على الجميع، وحين تقف السلطة السياسية على مسافة واحدة من القضاء، لا فوقه ولا داخله.