
رمادٌ لا يصلحُ للصلاة
أنا لا أخسر أصدقائي دفعةً واحدة، هم يتساقطون عني ببطء، مثل رمادٍ يعلق باليد حين أحاول أن أمسك نار الحقيقة. لا يوجد شجار واضح، ولا قطيعة مُعلنة، فقط ذلك الصمت الجديد الذي يكبر بيننا كجدارٍ شفاف: أراهم ولا أصل إليهم. يبتسمون لي ببرودٍ مهذّب، يبدّلون الموضوع حين أتكلم، أو ينظرون إلى هواتفهم عندما أذكر كلمة “قتل” دون أن أضع قبلها مبرّرًا طائفيًا أو دينيًا يريح ضمائرهم.
ذنبي الوحيد أنّني أقول إن الدم لا يغيّر لونه حسب الهوية، وإن الجريمة لا تصير بطولة لأن القاتل “من جماعتنا”، وإن الضحية لا تتحوّل إلى رقم زائد لأن اسمها ينتمي إلى الطائفة الأخرى. منذ أقول ذلك بصوتٍ عالٍ، أصير أنا المشكلة. يصير كلامي نشازًا في جوقةٍ اعتادت أن ترتّب لحنها على إيقاع الكراهية. أكتشف فجأة أن كثيرين لا يريدون الحقيقة، بل يريدون رواية جاهزة تجعلهم يشعرون بأنهم أبرياء وهم يصفّقون للمجزرة من بعيد.
حين أحاول أن أشرح، ينظرون إليّ كمن ينظر إلى شخصٍ لا يفهم “قواعد اللعبة”. يقولون لي: في الحرب لا يوجد بريء. أسمع الجملة وأشعر أنّها بابٌ واسع تعبر منه كل الجرائم إلى الوعي دون تفتيش. أرى كيف يتحوّل القتل إلى أمرٍ قابل للنقاش، وكيف يُختصر الإنسان في بطاقة هوية أو في انتماء طائفي، وكيف يصبح من حقّ القاتل أن يطلب الشكر لأن ضحيته “ليست من جماعتنا”. في تلك اللحظة أفهم أن المشكلة ليست في الحرب وحدها، بل في الطريقة التي نسمح بها للحرب أن تعيد تعريف الإنسان داخلنا.
وجه أخي لا يفارقني. خرج ذات ليلة ولم يعد. لا أعرف إن اختفى لأنه قال رأيًا، أم لأن اسمه وحده كان كافيًا ليضعه في الخانة الخطأ. كلما سمعت تبريرًا جديدًا للقتل، يعود وجهه من العتمة وينظر إليّ بسؤال لا أملك له جوابًا: لو كنتَ من جماعتهم، هل كانوا سيبكونك؟ أشعر أنّ أخي لا يُقتل مرة واحدة، بل يُقتل في كل مرة أسمع فيها تصفيقًا لمجزرة، وفي كل مرة يتحوّل فيها موت إنسانٍ “من الطائفة الأخرى” إلى خبرٍ عابر بلا وجع.
المدينة من حولي تتقن التعايش مع الخراب. شيوخ يزيّنون السكاكين بالكلمات، سياسيون يبدّلون أسماء الجرائم كي تخفّ حدّتها، وإعلام يحوّل الدم إلى أرقام باردة على الشاشات. والناس… كثير من الناس… يجدون في الصمت مكانًا مريحًا للاختباء. يقولون إنهم “غير معنيين”، وأنا أراهم يضيفون بصمتهم وقودًا إلى النار. الحريق لا يكبر فقط بمن يشعلونه، بل أيضًا بمن يقفون جانبًا ويتركونه يلتهم البيت بحجّة أنهم لا يريدون التدخّل.
كلما تمسّكت بموقفي، أخسر دائرة جديدة من المعارف. لا يؤلمني الفقد بقدر ما تؤلمني الفكرة نفسها: أن الرفض الأخلاقي صار ثمنه العزلة، وأن القبول بالجريمة صار بطاقة الدخول إلى الجماعة. أفهم أن كثيرين لا يغضبون لأنني أرفض القتل، بل لأن رفْضي يفضح التناقض الذي يعيشونه. يريدون أن يظلّوا طيّبين في صورتهم عن أنفسهم، وأن يظلّوا في الوقت ذاته متصالحين مع ذبح الآخرين ما دام الذبح يأتي من جهتهم.
مع الوقت أتعلم أن الوحدة التي تأتي من قول الحقيقة أقلّ قسوة من الصحبة التي تُبنى على تبرير الدم. أضع حدًا واضحًا بيني وبين كل خطاب يحوّل القتل إلى طقسٍ مقدّس، والضحية إلى تفصيلٍ غير مهم. أفهم أن بعض الصداقات لا تسقط لأن الطريق افترق، بل لأنها لم تكن يومًا صداقة، بل اتفاقًا ضمنيًا على الصمت حين يجب الكلام، وعلى الغضّ عن الجريمة حين يكون المجرم “من الداخل”.
وفي ليالي المدينة الطويلة، حين يصلني خبر موتٍ جديد، أشعر أن البلد لا يحترق من نارٍ واحدة، بل من آلاف الأكاذيب الصغيرة التي صارت عادية: كذبة أن الدم يمكن أن يكون شريفًا، كذبة أن الضمير يمكن أن يتجزّأ، كذبة أن الصمت حياد، وكذبة أن التعايش هو أن أمشي مع من يبرّر الذبح وأسمّي هذا سلامًا. عندها أفهم أن الرماد الذي يغطّي الشوارع ليس بقايا بيوتٍ محترقة فقط، بل بقايا ضمائر اختارت أن تتفحّم كي لا تواجه نفسها.