
في لحظة إقليمية توصف بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع المواجهات الأخيرة في الشرق الأوسط، خرجت طهران من صمتها الدبلوماسي برسائل مباشرة إلى عواصم الخليج. لم تكن تلك الرسائل مجرد تصريحات عابرة، بل بدت وكأنها محاولة واعية لإعادة فتح النقاش حول بنية الأمن الإقليمي برمّته، وربما لإعادة رسم خريطة التحالفات التي حكمت المنطقة لعقود.
ففي خطاب لافت، وجّه الأدميرال حديثه مباشرة إلى قادة الخليج، في لهجة أقرب إلى التحذير منها إلى النصيحة. مضمون الرسالة كان واضحًا: الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن لم يعد خيارًا مضمونًا، وأن التجارب الأخيرة – بحسب الرؤية الإيرانية – تُظهر أن واشنطن لا تتردد في التضحية بحلفائها عندما تتعارض مصالحهم مع حساباتها الاستراتيجية الكبرى. هذه المقاربة تعكس محاولة إيرانية لزرع الشك في أساس العلاقة الأمنية التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.
بالتوازي مع هذا الخطاب العسكري، جاءت إشارة سياسية لا تقل أهمية من قبل السفير الإيراني، الذي طرح فكرة مراجعة العلاقات بين إيران ودول الخليج في ظل الحرب الدائرة، داعيًا إلى التفكير في إطار إقليمي جديد للأمن. الفكرة التي طرحها تقوم على إنشاء منظومة تعاون تضم إيران والعراق ودول الخليج، بحيث تتولى دول المنطقة بنفسها مسؤولية أمنها بعيدًا عن النفوذ العسكري الخارجي. وبذلك تحاول طهران تقديم نفسها كجزء من الحل الإقليمي بدل أن تكون عنصرًا في معادلة الصراع.
لم تتوقف الرسائل الإيرانية عند حدود الدعوة إلى إعادة التفكير في التحالفات، بل امتدت إلى انتقاد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. فقد شددت التصريحات الإيرانية على أن القوات الأمريكية، رغم انتشارها الواسع، لم تنجح في ضمان الاستقرار في الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها ، الذي يعد أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. ومن هذا المنطلق، ذهبت طهران إلى حد المطالبة بخروج القوات الأجنبية من المنطقة، معتبرة أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تعاون إقليمي خالص بين دولها.
في الخطاب الإيراني، يتكرر مفهوم “الاتحاد الإقليمي الإسلامي” كإطار بديل للنظام الأمني الحالي. غير أن هذا الطرح يثير أسئلة عديدة. فالدول الخليجية، التي بنت منظومتها الدفاعية على شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، لا تبدو مستعدة بسهولة للتخلي عن هذه المظلة الأمنية. كما أن الخلافات السياسية والتاريخية العميقة بين إيران وبعض دول الخليج تجعل من فكرة التحالف الإقليمي الجديد مسألة معقدة تتجاوز حدود الشعارات السياسية.
من هنا يبرز السؤال الأهم: هل تمثل هذه الرسائل الإيرانية بداية محاولة جادة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، أم أنها مجرد أداة ضغط سياسية في لحظة توتر عسكري؟ الواقع أن الاحتمالين معًا قد يكونان حاضرين. فمن جهة، تدرك طهران أن أي تصدع في العلاقة بين الخليج وواشنطن سيشكل مكسبًا استراتيجيًا لها. ومن جهة أخرى، فإن طرح فكرة الأمن الإقليمي المستقل يمنحها خطابًا سياسيًا يبدو أكثر قبولًا لدى الرأي العام في المنطقة، الذي أصبح أكثر حساسية تجاه الوجود العسكري الأجنبي.
لكن التاريخ القريب يشير إلى أن التحولات الكبرى في التحالفات لا تحدث بقرار سياسي مفاجئ، بل عبر مسار طويل من التغيرات التدريجية في ميزان القوى والمصالح. لذلك قد تكون الرسائل الإيرانية اليوم مجرد محاولة لفتح باب النقاش حول مستقبل الأمن في الخليج، لا إعلانًا عن قطيعة وشيكة بين العواصم الخليجية وواشنطن.
في النهاية، ما يجري ليس مجرد سجال سياسي، بل جزء من صراع أوسع حول من يملك حق صياغة معادلة الأمن في الشرق الأوسط: القوى الإقليمية أم القوى الدولية. وبين هذين الخيارين تقف دول الخليج أمام معادلة دقيقة، تحاول فيها الحفاظ على توازن معقد بين التحالفات التقليدية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. وفي هذا التوازن تحديدًا تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة.