
رسالة مجتبى خامنئي… حين يتحول التصعيد إلى مقامرة بمصير إيران والمنطقة:
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، تميل القيادات الجديدة عادة إلى إرسال رسائل تهدئة، أو على الأقل رسائل توازن توحي بالقدرة على إدارة الأزمات لا تعميقها. لكن الرسالة الأولى التي صدرت عن جاءت على النقيض من هذا المنطق السياسي المعروف. فقد بدت، في نظر كثير من معارضي النظام الإيراني، إعلاناً صريحاً عن استمرار نهج المواجهة المفتوحة، بل وتكريساً لسياسة التصعيد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
ولذلك لم يكن غريباً أن تصفها أطراف في المعارضة الإيرانية بأنها ابتزاز للمنطقة وانتحار سياسي. فبدلاً من تقديم خطاب يخفف التوتر أو يفتح نافذة سياسية جديدة، اختار الرجل أن يؤكد أن إيران ستواصل السير في الطريق ذاته الذي رسمه والده : طريق الصدام مع الغرب، والتمسك بسياسة الردع الإقليمي، مهما كانت الكلفة.
لكن المشكلة في هذا الخيار لا تكمن فقط في حدته الخطابية، بل في توقيته أيضاً. فإيران اليوم ليست إيران قبل عشرين عاماً. إنها دولة مثقلة بالعقوبات، واقتصادها يعاني ضغوطاً هائلة، ومجتمعها يعيش حالة من التوتر المتكرر منذ موجات الاحتجاج التي هزت البلاد في السنوات الأخيرة. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي خطاب تصعيدي مغامرة سياسية قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
تتجلى خطورة الرسالة أيضاً في ما تضمنته من إشارات إلى استخدام أوراق الضغط الاستراتيجية التي تملكها طهران في المنطقة. فالتلويح بإمكان تهديد الملاحة في ، أو توسيع دائرة المواجهة عبر شبكة الحلفاء الإقليميين، لا يُقرأ في العواصم الإقليمية والدولية باعتباره موقفاً دفاعياً فحسب، بل باعتباره محاولة لفرض معادلة جديدة: الأمن مقابل الاعتراف بالدور الإيراني.
وهنا يظهر جوهر الاتهام الذي توجهه المعارضة للنظام: سياسة الابتزاز الجيوسياسي. فبدلاً من البحث عن مخارج سياسية للأزمة، تبدو القيادة الإيرانية وكأنها تلوّح بتوسيع نطاق الخطر الإقليمي لإجبار الآخرين على التعامل معها بشروطها.
غير أن مثل هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة. فالعالم اليوم أكثر حساسية تجاه تهديدات الطاقة والممرات البحرية، وأي إشارة إلى تهديد شريان اقتصادي عالمي قد تدفع القوى الكبرى إلى ردود أكثر حدة. وفي ظل وجود عسكري أمريكي متزايد في المنطقة تقوده ، فإن هامش المناورة قد يكون أضيق بكثير مما تتصوره طهران.
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: الشرعية الداخلية.
فصعود مجتبى خامنئي إلى قمة هرم السلطة يثير في حد ذاته جدلاً واسعاً داخل إيران وخارجها، لأنه يبدو في نظر كثيرين أشبه بانتقال السلطة داخل العائلة، في نظام قام أصلاً على فكرة القيادة الدينية الثورية لا التوريث السياسي. وهذا الجدل لا يختفي بخطاب تصعيدي؛ بل ربما يتفاقم بسببه.
لهذا ترى المعارضة أن الخطاب الجديد قد يقود النظام إلى معادلة خطيرة: تصعيد خارجي يفاقم الضغوط الدولية، وأزمة داخلية تتغذى من الضائقة الاقتصادية والتوتر السياسي. وعندما يجتمع هذان العاملان في وقت واحد، تصبح الدولة عرضة لما يسميه علماء السياسة مرحلة الاستنزاف الاستراتيجي.
ومن هنا تحديداً جاء وصف الرسالة بأنها "انتحار سياسي". فالمشكلة ليست في خطاب القوة بحد ذاته، بل في استخدامه في لحظة ضعف نسبي. التاريخ مليء بأنظمة اعتقدت أن التصعيد الخارجي يمكن أن يعوض هشاشة الداخل، لكن النتيجة غالباً ما كانت العكس تماماً.
في النهاية، لا يمكن الجزم بما إذا كانت رسالة مجتبى خامنئي تمثل بداية مرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية، أم مجرد محاولة لإثبات القوة في بداية عهد سياسي معقد. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام معادلة مألوفة: كلما ارتفع منسوب الخطاب التصعيدي، اقتربت المنطقة خطوة إضافية من حافة المجهول.