
موسكو لا تغادر سورية، لكنها تفاوض على سورية الجديدة :
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو زيارة بروتوكولية عادية، ولا يمكن قراءتها بوصفها استمراراً تلقائياً للعلاقة( السورية – الروسية ) كما كانت في عهد بشار الأسد، ما جرى في الكرملين، كما تعكسه لغة البيانات الروسية قبل السورية، هو فتح ملف كامل لسورية بعد تغيير القيادة، وما الذي تريده موسكو منها، وما الذي يمكن أن تبقيه فيها،
فاللافت في الخطاب الروسي ليس ما قيل فقط، بل ما قيل علناً للمرة الأولى وهو :
إدراج ( مستقبل القوات الروسية في سورية ) على جدول أعمال لقاء رئاسي يعني أن الوجود العسكري الروسي لم يعد مسألة تقنية أو عسكرية بحتة، بل ورقة تفاوض سياسية، وهذا تطور نوعي، لأن موسكو لطالما تعاملت مع قواعدها في حميميم وطرطوس كأمر واقع محصّن باتفاقيات طويلة الأمد، لا كملف قابل لإعادة النقاش، لكن التوقيت يفسّر اللهجة،فروسيا، التي انسحبت بهدوء من مطار القامشلي، ترسل إشارة مزدوجة : - هي لا ترغب بالاحتكاك في شرق الفرات، حيث التعقيد ( الأميركي –الكردي–التركي )، لكنها في المقابل متمسكة بسورية المفيدة، الساحل، المتوسط، وخطوط الإمداد البحرية،بعبارة أدق، موسكو لا تنسحب من سورية، بل تعيد تموضعها من سوريا المكلفة إلى سوريا القابلة للاستثمار الاستراتيجي...
- ذكر اتفاقيات ٢٠١٧ ( ٤٩عاماً قابلة للتمديد ) في هذا السياق ليس تثبيتاً لها، بل تذكيراً بأنها موجودة، وقابلة لإعادة التفسير السياسي. فالقانون شيء، والشرعيةالسياسية شيء آخر، وموسكو تدرك أن القيادة الجديدة في دمشق لا تشبه سابقتها من حيث ظروف النشأة ولا شبكة الاعتماد...
- لكن ما أريد أن اسلط عليه الضوء هنا يبرز السؤال الأهم، من هو أحمد الشرع كما تراه موسكو؟ :
الخبر يتعمّد تقديمه بصفته “الرئيس السوري” فقط، من دون أي خلفية، أو سياق وصول، أو توصيف سياسي، هذا ليس نقصاً معلوماتياً، بل اختيار مقصود، في العقل الروسي، الشرعية لا تُبنى على السيرة الذاتية، بل على ثلاثة معايير وهي : السيطرة، الاستقرار، وقابلية التفاهم...
وهذا يعني أن الرئيس أحمد الشرع يُقدَّم إذاً كشخصية ( وظيفية ) أكثر منها ( تاريخية ) فهو اي الرئيس الشرع، لا يُطالَب بتفسير الماضي، ولا يُمنَح شيكاً مفتوحاً للمستقبل، بل يُختبَر بقدرته على إدارة دولة منهكة، وضبط الجغرافيا، وعدم الانقلاب على توازنات الخارج...
وهو رئيس بلا خطاب أيديولوجي واضح، وهذا بالضبط ما تريده موسكو في هذه المرحلة بمعنى شريك براغماتي، لا وريثاً سياسياً، لذلك أيضاً، يفصل الكرملين بشكل صارم بينه وبين بشار الأسد... لذا فإن الامتناع الروسي عن التعليق على مصير الأسد ليس مجاملة، بل إعلان غير مباشر بأن الرجل بات ( ملفاً ) لا جزءاً من المعادلة...
لكن هنا لنا أن نتساءل عن ما الذي تريده موسكو فعلاً؟ '
روسيا لا تبحث عن سورية قوية أو ضعيفة، بل عن سورية مستقرة بما يكفي لحماية مصالحها، ومرنة بما يكفي لإعادة التفاوض، فهي تريد قواعدها، نعم، لكنها مستعدة لتحويلها من ( حق مكتسب )إلى ( مقابل سياسي ) كـ ( تعاون اقتصادي، انفتاح إقليمي، وربما أدوار تهدئة في الشرق الأوسط.
في هذا الإطار، تبدو زيارة الشرع اختباراً متبادلاً ) :
فموسكو تختبر قدرته على الالتزام،
ودمشق تختبر حدود ما يمكن تحصيله دون الارتهان الكامل...
ختاما :
الخلاصة أن ما يجري ليس نهاية النفوذ الروسي في سورية، ولا بداية تحالف جديد مكتمل الشروط، نحن أمام مرحلة انتقالية رمادية، تُعاد فيها صياغة العلاقة على أساس المصالح الباردة لا الشعارات القديمة...
فالرئيس أحمد الشرع ليس رجل موسكو، لكنه ليس خصمها، وروسيا ليست وصية على سورية الجديدة، لكنها لن تكون متفرجاً أيضاً، لذا فإن بين الطرفين مساحة تفاوض مفتوحة، عنوانها :
سورية تغيّرت، ومن لا يعترف بذلك… سيُستبعَد بهدوء.