
سورية الجديدة بين القانون والاستبداد: تحذير مبكر من الانحدار :
يبدو أن تجربة سورية الجديدة في بناء الدولة الحديثة بدأت بخطوات متعثرة، تكشف عن تهديد حقيقي لفكرة دولة القانون والعدالة. فالدستور والإعلانات الدستورية لم تعد حواجز حقيقية أمام تجاوزات السلطة التنفيذية، بل تتحول أحيانًا إلى شعارات تُتجاوز بسهولة. عندما يصبح رئيس الدولة قادرًا على تجاوز نصوص الإعلان الدستوري التي تمنعه من ممارسة صلاحيات معينة، فهذا ليس مجرد خلل إداري، بل إشارة تحذيرية على أن الدولة قد تنحرف نحو مركزية السلطة والاستبداد.
مبدأ دولة القانون ليس رفاهية فكرية، بل حجر الأساس لأي مجتمع متقدم ومستقر. كل مواطن، مهما كانت مكانته أو نفوذه، يجب أن يكون خاضعًا لنفس القوانين التي تحكم الآخرين. وعندما يتحول الحاكم إلى فوق القانون، تنهار الثقة بالمؤسسات، وتصبح العدالة مجرد شعار بلا قيمة فعلية. تجارب الدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقلة، مثل السويد أو كندا، أظهرت أن احترام القانون من أعلى سلطة في الدولة هو الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع وتقدم الدولة.
في المقابل، غياب الفصل الفعلي بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية يؤدي حتمًا إلى هيمنة مطلقة للسلطة التنفيذية، كما يحدث اليوم في سورية، حيث لم يتشكل البرلمان بعد، والرقابة القضائية شبه معدومة. هذا الوضع يخلق بيئة خصبة للاستبداد ويضعف أي مشروع لإصلاح الدولة، إذ تصبح القرارات التنفيذية فوق المساءلة والمحاسبة، والقوانين مجرد أدوات تنفيذية لا تحمي حقوق المواطنين.
الأمر الأكثر خطورة هو الفشل شبه الكامل في إرساء العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة، بما في ذلك أعلى مستويات السلطة. إذ بدون محاسبة واضحة وإنصاف حقيقي للضحايا، يتحول الانتصار على الماضي إلى مجرد صورة فارغة، ويصبح الشعب أسيرًا لنظام يحمي الجناة ويترك الضحايا بلا حقوق. التجارب التاريخية، من جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري إلى رواندا بعد الإبادة الجماعية، أثبتت أن العدالة الانتقالية ليست خيارًا، بل شرط أساسي لبناء دولة جديدة قادرة على تجاوز الجراح والانتقال إلى مجتمع متماسك يحكمه القانون.
من هذا المنطلق، يجب أن تكون أولويات الدولة السورية الجديدة واضحة: احترام نصوص الدستور، فرض الفصل الحقيقي بين السلطات، تأسيس مؤسسات قضائية وتشريعية مستقلة، ومحاسبة كل من أساء استخدام السلطة في الماضي. أي تأخير أو تهاون في هذه الخطوات سيجعل الدولة معرضة للانحدار نحو الاستبداد، حيث تصبح السلطة التنفيذية فوق الجميع، والقوانين مجرد أداة لخدمة الحاكم لا حماية المواطنين.
إن هذه اللحظة ليست وقت التجربة أو الصبر، بل وقت التحذير المبكر. فاستمرار الهيمنة المطلقة للسلطة التنفيذية، دون رقابة قضائية أو برلمانية، يمثل خطرًا على حلم السوريين في دولة الحق والقانون، ويهدد بأن تتحول الثورة العظيمة التي دفع فيها الشعب السوري دماءه، إلى مجرد حلقة جديدة من سيطرة الفرد على الدولة.
إن تأسيس سورية الجديدة على العدالة والمحاسبة لا يمكن أن يتحقق إلا بخطوات واضحة وجريئة: دولة تلتزم بالقانون أولًا، تحمي حقوق المواطنين، وتعطي العدالة مكانتها الحقيقية. أي إخفاق في ذلك اليوم سيضع سورية أمام أزمة أكبر بكثير من أي تحديات سياسية أو اقتصادية، وسيعيد التاريخ نفسه بطريقة أكثر قسوة على شعبها.