--:--
إيرلندا تحظر دخول الوزيرين الإسرائيليين سموتريتش وبن غفير بسبب مواقفهما من غزة جولة جديدة من مفاوضات القاهرة بين «حماس» وفصائل فلسطينية برعاية الوسطاء لبحث وقف النار وإدارة ما بعد الحرب موسكو: واشنطن تراوغ في ملف أوكرانيا وتبتعد عن مسار التسوية السياسية

سورية الثورة الإسلامية، بين منطق الدولة ومنطق " المنقذ ": اختبار مبكر للوعي السياسي

Salah Kirata • ٦‏/٦‏/٢٠٢٦

44025.png

سورية الثورة الإسلامية، بين منطق الدولة ومنطق " المنقذ ":
 اختبار مبكر للوعي السياسي...

في اللحظات التي تعيد فيها الدول تشكيل نفسها بعد انهيارات كبرى أو تحولات حادة، لا يكون الخطر الأكبر في تبدل مراكز السلطة، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف السلطة في الوعي العام. فالدولة لا تتشكل فقط بالدساتير والمؤسسات، بل أيضًا باللغة التي تُروى بها السياسة، وبالصورة التي تتكون في ذهن المجتمع عن الحاكم وموقعه وحدوده...

في الحالة السورية الراهنة، و بالتوازي مع صعود السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، بدأت تبرز إشكالية أعمق من النقاشات اليومية حول الإدارة أو الأمن أو الاقتصاد، إنها إشكالية             "التمثّل السياسي" نفسه اقصد :
كيف يُنظر إلى السلطة، وكيف تُفهم شرعيتها، وأين ينتهي موقعها الطبيعي كبنية مؤسساتية، وأين يبدأ تحويلها إلى رمز يتجاوز النقد.

في التجارب الانتقالية، يظهر نمط متكرر في مجتمعات خرجت من الحروب:
 ميلٌ سريع، أحيانًا عفوي وأحيانًا مدفوع بالرهان على الاستقرار، نحو البحث عن " مركز معنوي" يختزل التعقيد السياسي في شخص واحد، غير أن هذا الميل، إذا لم يُضبط بوعي مؤسسي، يتحول من حاجة اجتماعية إلى بنية سياسية خطرة تُعرف في أدبيات علم السياسة بظاهرة "المنقذ"...

هذه الظاهرة ليست جديدة، ولا مرتبطة بسياق واحد، فهي تظهر كلما ضعفت المؤسسات أمام الشخص، وكلما تقدّم الرمز على القانون، وكلما أصبحت الشرعية العاطفية بديلاً عن الشرعية الدستورية، وقد لاحظ ابن خلدون، في مقدمته، أن الدولة حين تميل إلى تضخم العصبية حول الحاكم، تنتقل تدريجيًا من منطق الشراكة إلى منطق الخضوع، ومن العمران السياسي إلى مركزية تُضعف قدرتها على التجدد. فالدولة، عنده، ليست قوة حاكم بقدر ما هي توازنات اجتماعية تُدار بعقل سياسي، لا بعاطفة مطلقة...

وفي سياق أكثر حداثة، يشير أرنولد توينبي إلى أن الحضارات لا تتراجع فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل حين تفشل نخبها ومجتمعاتها في تقديم   "استجابة عقلانية "للتحديات، وتستبدلها باستجابات رمزية أو انفعالية تُبسّط الواقع أكثر مما تفهمه، ومن هنا، يصبح خطر "المنقذ" ليس في شخصه، بل في الوظيفة الذهنية التي يؤديها والتي تدور حول:
"  اختزال الدولة في فرد، والتاريخ في لحظة، والسياسة في صورة"...

في سورية اليوم، لا يتعلق الأمر بتكرار تجربة سابقة بأسمائها القديمة، بل بإمكانية تكرار منطقها، فحين تبدأ بعض مساحات الإعلام، أو الخطاب الديني والاجتماعي، أو حتى المزاج العام على المنصات الرقمية، في إعادة إنتاج صورة السلطة بوصفها حالة استثنائية لا تُقاس بالمعايير السياسية المعتادة، فإننا نكون أمام تحوّل تدريجي في بنية الوعي العام، وليس مجرد تعبير عن الدعم أو التفاؤل...

المشكلة هنا ليست في وجود دعم سياسي طبيعي لسلطة جديدة، فهذا أمر مفهوم في سياق الانتقال، بل في اللحظة التي يتحول فيها هذا الدعم إلى خطاب رمزي يُفرغ السياسة من طبيعتها النقدية، فحين تصبح السلطة فوق السؤال، يتحول المجال العام من فضاء سياسي إلى فضاء وجداني، وتبدأ الحدود بين الدولة والرواية في التلاشي...

التاريخ السياسي الحديث في المنطقة يقدم أمثلة متعددة على هذا التحول، ففي لحظات مختلفة من القرن الماضي، كانت البداية دائمًا متشابهة: 
خطاب تعبوي يربط السلطة بالمصير، ويُضفي عليها طابعًا استثنائيًا بوصفها  " ضرورة تاريخية"، ثم، مع الوقت، يتحول هذا الاستثناء إلى قاعدة، وتُختزل السياسة في شخص، وتُختزل الدولة في مشروع، ويُختزل النقد في تهديد...

إن خطورة هذه المسارات لا تكمن في نوايا البداية، بل في منطق التراكم الذي تنتجه، فالدولة التي تتسامح مع تضخم الرمزية على حساب المؤسسية، لا تفقد توازنها دفعة واحدة، بل تدريجيًا، حين يصبح السؤال أقل حضورًا من الإجابة الجاهزة، والنقد أقل شرعية من التصفيق...

وفي الحالة السورية، تتضاعف حساسية هذا المسار بسبب هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية، ورغبة شرائح واسعة في الوصول إلى لحظة استقرار سريعة بعد سنوات من التوتر والانقسام، وهذه الرغبة، رغم مشروعيتها الإنسانية، قد تُنتج – دون قصد – بيئة تميل إلى "الاستقرار السهل"، أي الاستقرار القائم على الإجماع العاطفي لا على التوازن المؤسسي...

هنا تحديدًا يصبح دور الإعلام والخطاب الديني والخطاب العام حاسمًا،  فالإعلام الذي يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج صورة واحدة للسلطة، والخطاب الديني حين يُستخدم لتكريس معنى استثنائي غير سياسي للحكم، يساهمان في تقليص المجال العام، حتى دون إعلان مباشر، وعندها، لا تُلغى السياسة، لكنها تُفرغ من جوهرها النقدي.

لذا فإن أي سلطة ناشئة، مهما كانت طبيعة مشروعها أو ظروف نشأتها، لا تحتاج إلى تضخيم رمزي، بل إلى وضوح في موقعها الطبيعي:
كون سلطة تُقاس بالأداء والمساءلة، لا بالاستثناءات الرمزية، فحين تتحول السلطة إلى فكرة فوق النقد، لا تعود الدولة إطارًا عامًا للجميع، بل تصبح رواية واحدة تُطلب من الجميع مشاركتها دون اعتراض...

وهنا تكمن المفارقة:
- كلما زادت قداسة السلطة، تقلصت قدرتها على التطور...
- وكلما تقلصت القدرة على النقد، ضعفت المناعة الداخلية للدولة نفسها...

لذا فإن المطلوب في هذه المرحلة ليس التشكيك في الشرعية، ولا الدخول في صراع سياسي مبكر، بل حماية الشرعية نفسها من أن تتحول إلى معنى مغلق، فالدولة الحديثة لا تُبنى على الإجماع العاطفي، بل على القدرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار قانوني واضح، وعلى الاعتراف بأن السلطة وظيفة عامة، لا موقع رمزي متعالٍ...

وفي النهاية:
لا يتعلق مستقبل سورية بقدرة أي سلطة على فرض صورة واحدة عن نفسها، بل بقدرة المجتمع على الاحتفاظ بمساحة السؤال، فالدول لا تُختبر فقط بقدرتها على الحكم، بل بقدرتها على السماح بالنقد دون أن تعتبره تهديدًا، وعلى الاختلاف دون أن تعتبره انهيارًا...

فحين يصبح النقد جزءًا من الدولة، لا خارجها، تبدأ الدولة فعليًا في التأسيس.