
سورية بعد يوم السقوط والصعود: بين وهم الخلاص وحقيقة الاستبدال
أقف اليوم أمام سورية وكأنني أقف على حافة هاوية، فما جرى في يوم ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ لا أستطيع أن أصفه بوصفه ( تحرّرًا ) ولا ( سقوط طغيان ) بالمعنى الذي حلم به ملايين السوريين، فما أراه الآن، وما تؤكده الوقائع التي تتكشف أمامنا يومًا بعد يوم، لا يتجاوز كونه استغناءً عن نظام أصبحت كلفة الإبقاء عليه أعلى بكثير من كلفة إسقاطه، اذ لم يسقط النظام لأنه مجرم فحسب، بل لأنه صار عبئًا على من صنعوه وحموه واستثمروه لعقود...
وأيًا يكن البديل، فإن المؤشرات كلها تقول لي إن هذا البديل لم يولد من رحم اللحظة، بل كان يُحضَّر له منذ سنوات، ما جرى أشبه بـ ( مسرحية السقوط والصعود )، مشهد مدروس بعناية، أدواره موزعة مسبقًا، نهايته مكتوبة سلفًا، هذه المسرحية لم تنطلِ على ملايين السوريين الذين خبروا الخداع السياسي طويلًا، لكن الذين غُيِّبوا كانوا يعيشون في ( نعيم ) الوهم، فقد اكتفوا بإسقاط حكم العائلة المغتصِبة، ولم يسألوا أنفسهم عن البديل الذي سيجلس على الكرسي ذاته، وبالعقلية ذاتها، وبالمنطق الأمني ذاته، وإن اختلفت الشعارات والوجوه...
منذ ذلك اليوم، تعيش سورية على كفّ عفريت، لا نحتاج إلى كثير من التحليل لنرى أن الواقع المعيشي ينهار أمام أعيننا، غلاء خانق، عملة متآكلة، بطالة واسعة، خدمات شبه معدومة، وناس تُستنزف قدرتهم على الصمود يومًا بعد يوم، والحياة اليومية هنا ليست حياة، بل إدارة مستمرة للأزمات:
- كيف أؤمّن الخبز؟..
- كيف أحصل على الوقود؟..
كيف أداوي مريضًا في منظومة صحية شبه منهارة؟..
هذه ليست مرحلة انتقالية عابرة، بل نمط عيش يُعاد إنتاجه بقسوة أكبر.
سياسيًا، لا نشعر أنني خرجنا من الاستبداد إلى السياسة، فما زلنا نعيش في فراغ شرعي قاتل، كون الحكومة الانتقالية القائمة برئاسة أحمد الشرع لا تمتلك أي شرعية حقيقية، ولا حتى ما يُسمّى في الثقافة السياسية بـ ( الشرعية الثورية ) هذه الشرعية تُبنى عادة على تمثيل الناس، على كون السلطة الجديدة ثمرة فعل شعبي واسع وتضحيات جامعة، غما نراه هنا هو سلطة أمر واقع، فرضت نفسها تحت عنوان ( المرحلة الانتقالية )، من دون تفويض واضح، ولا عقد اجتماعي، ولا أفق سياسي مقنع إذ لا انتخابات، لا مسار دستوري شفاف، لا مشاركة حقيقية لقوى المجتمع، بل إعادة تدوير لمنطق السيطرة بذريعة الضرورة والمرحلة الحساسة.
أمنيًا، الصورة أكثر قتامة، فالانفلات واضح، والسلاح منفلت من كل قيد، ومناطق النفوذ تتقاطع وتتنازع، والأخطر من ذلك أن وجود عناصر متطرفة وإرهابية داخل أجهزة الأمن والجيش لم يعد مجرد همس في المجالس أو اتهام سياسي، بل واقع تفضحه الممارسات اليومية، من حيث اعتقالات خارج القانون، تصفيات تحت مسميات أمنية، وتديين للوظيفة العسكرية والأمنية، هذا ليس انتقالًا نحو دولة، بل انتقال نحو فوضى مُقنَّعة بزي الدولة...
ثم يأتي الخطر الذي ظننا أنه صار من الماضي ليطرق الأبواب من جديد، عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية كتهديد حقيقي، نحن لا نتعامل مع هذا الخطر بوصفه دعاية سياسية أو فزّاعة إعلامية، بل كوقائع على الأرض، خلايا تنشط، عمليات تظهر هنا وهناك، بيئة رخوة تسمح بإعادة التمدد، وأجهزة أمن منشغلة بتثبيت سلطتها أكثر من انشغالها بحماية المجتمع، وعودة هذا التنظيم ليست خطرًا أمنيًا فحسب، بل تهديد مباشر لجغرافيا سورية وتاريخها ونسيجها الاجتماعي، لأنها تعيد إنتاج منطق الإبادة الرمزية والمادية معًا...
في ظل هذه المعادلة، لا أشعر أنني أعيش لحظة ( ما بعد السقوط )، بل لحظة ( ما بعد الاستبدال ) حيث سقط شكل قديم للسلطة، وصعد شكل آخر، لكن الجوهر واحد وهو غياب الإرادة الشعبية، تغييب السياسة، تقديس الأمن، وتحويل الناس إلى مجرد تفصيل في معادلات أكبر منهم، فالخديعة الكبرى ليست فقط في إسقاط العائلة الحاكمة، بل في إيهامنا أن إسقاط الرأس يعني بالضرورة سقوط المنظومة، والمنظومة ما زالت هنا، تتبدّل في الأسماء والرايات، وتثبت في الممارسة والمنطق.
أنا لا أكتب هذا من موقع الحنين إلى الماضي، ولا من باب الدفاع عن نظام سقط بثقل جرائمه. أكتبه لأنني أرى بلدي يُساق من وهم إلى وهم، ومن استبداد مُعلن إلى استبداد مُموَّه، ومن فشل مُجرَّب إلى فشل يُعاد تسويقه بوصفه ( فرصة جديدة ) سورية اليوم ليست دولة تتعافى، بل ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة، وبينما يُطلب مني أن أصفّق لـ ( العهد الجديد )، أجد نفسي مضطرًا لأن أتمسّك بشيء واحد فقط هو حقي في الشك، وواجبي في أن أقول إن ما يحدث ليس خلاصًا، بل إعادة ترتيب للخسارة، على حساب السوريين الذين لم يعودوا يملكون ترف انتظار خيبة أخرى.