
قدر سورية العاثر، بين عهدٍ سقط وعهدٍ صعد :
ليس من باب المصادفة أن تبدو سورية، في عهديها ( الساقط ) و( الصاعد )، وكأنها تعيش نسخة واحدة من القدر، مع اختلاف الوجوه والشعارات. فالمقولة القديمة :
( كما تكونوا يُولّى عليكم )، ليست حكمة أخلاقية فحسب، بل مفتاح قراءة سياسي واجتماعي لتاريخنا القريب...
فالخطأ الشائع في مقاربة التجربة السورية هو اختزالها في شخص الحاكم، أو تصوير الاستبداد ككائن هبط من السماء على شعب بريء بالكامل، هذه قراءة مريحة، لكنها غير دقيقة، فالحقيقة الأكثر إزعاجاً لكنها صادقة هي أن نقاط الالتقاء بين العهدين أكبر بكثير من نقاط الافتراق، وأن ما سقط لم يكن قطيعة مع ما سبقه، بل امتداداً له، مطوّراً لأدواته لا أكثر...
* البناء على الموجود… لا خلقه من العدم :
وجهة نظري هذه و التي طرحتها منذ عشر سنوات على الأقل– وهي جوهرية وهي – أن حافظ الأسد لم يخترع أنماط الحكم من فراغ، بل بنى على ما هو موجود في ثقافة المجتمع السوري، قولاً وفعلاً،
كـ (ثقافة الخوف، النفاق الاجتماعي، ازدواجية الخطاب، تمجيد القوة، تفضيل السلامة الفردية على المصلحة العامة، والقبول الضمني بالظلم ما دام لا يصيبني شخصياً )...
حافظ الأسد التقط هذه البنية، فهمها بذكاء رجل أمن، ثم حوّلها إلى نظام حكم، لم يُكره المجتمع على الكذب، بل كافأه عليه، لم يفرض الصمت بالقوة وحدها، بل جعله طريق النجاة، ولم يصنع الزعيم الأوحد، بل استثمر استعداداً شعبياً قديماً لتقديس ( القوي الذي يحمينا ) ...
* العهد الساقط… سقوط الشكل لا الجوهر :
حين ( سقط العهد السابق ) ، سقط معه الشكل :
( الحزب، الشعارات القومية، صورة الدولة المتماسكة، لكن الجوهر لم يسقط ) :
– عقلية الإقصاء بقيت...
– منطق التخوين استمر...
– احتكار الحقيقة لم يتغير...
– والبحث عن ( زعيم منقذ ) عاد بقوة، لكن بلباس جديد...
وهنا تظهر المفارقة القاسية :
كثير ممن ثاروا على الاستبداد، حملوا في داخلهم أدواته نفسها، استبدلوا صورة حافظ الأسد بصورة أخرى، لكنهم لم يستبدلوا طريقة التفكير...
* العهد الصاعد… إعادة إنتاج مألوفة :
أما ( العهد الصاعد )، فلم يأتِ بثقافة سياسية جديدة، بل أعاد إنتاج المألوف :
– ولاءات بدل مؤسسات...
– شعارات بدل برامج...
– ثورية لفظية تخفي عجزاً عملياً...
– وأخلاق عامة ترى في القوة معيار الحق...
الفرق الأساسي أن حافظ الأسد كان دولةً تضبط هذا السلوك، بينما العهد الصاعد هو سلوك بلا دولة، لكن المادة الخام واحدة...
* نقاط الالتقاء أكثر مما نحب الاعتراف به :
فالالتقاء بين العهدين ليس في السياسة فقط، بل في المجتمع نفسه :
– المواطن الذي صفق خوفاً، صفق حماساً حين تغيّر الشعار...
– من برر القمع باسم ( الوطن ) برره لاحقاً باسم ( الثورة )...
– من قبل الكذب كوسيلة عيش، قبله كوسيلة نضال...
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس :
- لماذا حكمنا حافظ الأسد؟..
بل:
لماذا كنا – وما زلنا – قابلين لهذا النمط من الحكم؟..
خاتمة :
موجعة لكنها ضرورية، قدر سورية العاثر ليس في حكامها فقط، بل في الحلقة المغلقة بين الحاكم والمحكوم...
لا عهد ساقطاً كان استثناءً، ولا عهد صاعداً سيكون خلاصاً، ما لم يحدث كسر حقيقي في الثقافة السياسية والاجتماعية، لا في الأشخاص...
فمن دون مراجعة صادقة للذات الجمعية، سيبقى السوري يغيّر جلاده، لا منطقه…
وسيظل القدر ثابتاً، لأننا – ببساطة – لم نتغير بعد.