
سورية بين الجغرافيا الملتهبة وخريطة الطاقة الجديدة:
تعود سوريا مجددًا إلى واجهة النقاشات الاستراتيجية في واشنطن، ولكن ليس من بوابة الحرب أو الصراع السياسي، بل من بوابة الطاقة وإعادة تشكيل طرق الإمداد العالمية.
التصريحات المنسوبة للمبعوث الأمريكي توم براك، وما يدور داخل أروقة المجلس الأطلسي، تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي: الانتقال من إدارة الأزمات في سوريا إلى إعادة توظيف الجغرافيا السورية في هندسة النظام الطاقوي العالمي.
الفكرة المطروحة تقوم على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق جيوسياسية حساسة، عبر تطوير مسارات برية تمر من الشرق إلى المتوسط، بحيث تتحول الأراضي السورية إلى حلقة وصل بين الخليج العربي وبحر قزوين من جهة، وأوروبا من جهة أخرى.
هذا الطرح، إن صحّ وتحوّل إلى سياسات فعلية، يعني عمليًا إعادة تعريف وظيفة الدولة السورية في الإقليم: من ساحة نفوذ متصارع عليه إلى ممر استراتيجي للطاقة، وهو تحول يحمل في طياته إعادة توزيع للنفوذ الإقليمي والدولي.
لكن هذا السيناريو يصطدم بمجموعة من الحقائق الصلبة: أولها أن البنية التحتية في سوريا ما زالت متضررة بشدة، وثانيها أن الجغرافيا السياسية المحيطة بها ما تزال محكومة بتوازنات معقدة تشارك فيها قوى كبرى مثل روسيا وإيران، إضافة إلى الفاعلين الإقليميين.
بذلك، يمكن القول إن ما يُطرح اليوم لا يزال أقرب إلى “تصور استراتيجي قابل للنقاش” منه إلى مشروع تنفيذي، لكنه في الوقت نفسه يعكس اتجاهًا واضحًا في التفكير الغربي: البحث عن بدائل برية للطرق البحرية الحساسة، وإعادة توزيع ممرات الطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، تبقى سوريا في قلب معادلة مفتوحة بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة، حيث تتقاطع الطموحات الكبرى مع تعقيدات الواقع الصلب.